السماوية، كما كانت تفعل اليهود والنصارى، ولهذا احتج الله عليهم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) [1] .
وأما الآثار التي وصلت إلى أجدادكم من تراث إبراهيم عليه الصلاة
والسلام ومن تلاه من الأنبياء والرسل، فقد تحولت إلى رسوم حائلة دارسة، ليس فيها إلا إغرء العرب بالتمسك بما هم عليه، بزعم أنهم على إرث من إرث أبيهم إبراهيم عليه السلام، والأنبياء بعده، حتى إن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام قد صورهما العرب بصورة المؤيدين للعوائد والرسوم الجاهلية الوثنية.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأخرجت فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قاتلهم الله! أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط"، فدخل البيت فكبر في نواحيه، ولم يصل فيه [2] .
بل أدهى من ذلك وأمرّ؛ أن البيت - الذي هو رمز التوحيد، ومقصد الأنبياء جميعًا صلى الله عليهم وسلم- صار في عرف الوثنية العربية بيتًا للأصنام والأنصاب، حتى إنه كان حوله ثلاث مئة وستون صنمًا!.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاث مئة نُصُب، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: جاء الحق، وزهق الباطل، جاء الحق، وما يبدئ الباطل وما يعيد [3] " [4] .
(1) سورة الأنعام: الآيات 155 - 157.
(2) رواه البخاري في: 35 - كتاب الحج، 54 - باب من كبَّر في نواحي الكعبة:
(2/ 160) ، وفي:60 - كتاب الأنبياء، 8 - باب قول الله تعالى (وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) : (4/ 111) .
وفي: 64 - كتاب المغازي، 48 - باب أين ركز صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح؟: (5/ 93) . ورواه الإمام أحمد في مسنده: (1/ 334 - 365) .
وجاء عن ابن عباس من طريق أخرى، وفيه:"وجد فيه صورة إبراهيم، وصورة مريم ..".
ورواه البخاري في الموضع نفسه من كتاب الأنبياء (وراجع في هذه الإحالة البخاري المطبوع مع فتح الباري، بالمطبعة السلفية(6/ 387) ، عن ابن عباس قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم ..
ورواه الإمام أحمد أيضا: (1/ 277) .
أما قول ابن عباس رضي الله عنه: -ولم يصلِّ فيه-، فالمرجَّح في ذلك رواية ابن عمر بن بلال رضي الله عنه؛ لأنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف نفسه، وقد أثبت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة.
وقد أخرج الحديث: البخاري: 35 - كتاب الحج، 52 - باب الصلاة في الكعبة: (2/ 160) .
ومسلم في: 15 - كتاب الحج، 68 - باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها .. ، رقم (388 - 394) ، (2/ 966) وغيرهما.
(3) رواه البخاري في: 46 - كتاب المظالم، 32 - باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر .. ، (3/ 108) .
وفي: 64 - كتاب المغازي، 48 - باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح؟: (5/ 92 - 93) .
وفي: 65 - كتاب التفسير، تفسير سورة بني إسرائيل، 12 - باب (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) ، (5/ 228) .
ومسلم في: 32 - كتاب الجهاد والسير، 32 - باب إزالة الأصنام من حول الكعبة، رقم (87) : (3/ 1408) .
والترمذي في: 48 - كتاب تفسير القرآن، 18 - باب ومن سورة بني إسرائيل رقم (3138) ، (5/ 303) ، وقال: حديث حسن صحيح، وفي الباب عن ابن عمر. وأحمد في مسنده: (1/ 377 - 378) .
وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب المغازي (2435) ، حديث فتح مكة، رقم (18752) ، (14/ 488) .
(4) قوله تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) ، هو في سورة الإسراء، آية رقم 81.
وقوله سبحانه: (قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) ، هو في سورة سبأ، آية 49.