لقد كان شعور العرب بأنهم ورّاث دين إبراهيم، وحفظة مناسكه، وسدنة البيت العتيق؛ يجعلهم أبعد عن قبول الدعوة والانصياع للحق؛ لوجود هذه الشبهة الواهية لديهم.
كما كان لتغلغل المعتقدات الوثنية في حياتهم وعقولهم، وسيطرتها على تفكيرهم؛ أثر عظيم في تصلبهم أمام الحق، وإبائهم الانقياد والإذعان لدعوته، هذا فضلًا عن أن طبيعة النفس البشرية حين لا تدين بدين سماوي؛ فإنها تبتعد عن التجريد والصفاء العقدي، وتميل إلى التجسيم المادي الحسي.
ولذلك أقدم عباد الأصنام على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها وهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبًّا لها وتعظيمًا، ويوصي بعضهم بعضًا بالصبر عليها، وتحمُّل أنواع المكاره في نصرتها وعبادتها، وهم يسمعون أخبار الأمم التي فُتنت بعبادتها وما حل بهم من عاجل العقوبات [1] .
يقول الإمام أبو إسحاق الشاطبي [2] في وصف موقف العرب من دعوة التوحيد:"وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل، وفي جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسمًا، ولا تقيم به في مقاطع الحقوق حكمًا، بل كانت تنتحل ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته أسلافها؛ من الآراء المنحرفة، والنحل المخترعة، والمذاهب المبتدعة، فحين قام فيهم صلى الله عليه وسلم بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا؛ فسرعان ما عارضوا معروفه بالنكر، وغيّروا في وجه الصواب بالإفك [3] ، ونسبوا إليه -إذ خالفهم في الشرعة، ونابذهم في النحلة- كل محال، ورموه بأنواع البهتان: فتارة يرمونة بالكذب -وهو الصادق المصدوق، الذي لم يجربوا عليه قط خبرًا بخلاف مخبره- وآونة يتهمونه بالسحر -وفي علمهم أنه لم يكن من أهله، ولا ممن يدعيه-، وكرة يقولون: إنه مجنون -مع تحققهم بكمال عقله، وبراءته من"
(1) انظر: (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) للإمام ابن القيم: (2/ 225) .
(2) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي، الأصولي الفقيه، من أئمة المالكية، مؤلف كتاب الموافقات والاعتصام وغيرهما، وأحد مجددي علوم الشريعة، توفي سنة (790هـ) .
انظر ترجمته في: برنامج المجاري: ص (116 - 122) ، وكتب له الأستاذ محمد أبو الأجفان ترجمة موسعة في مقدمة كتاب (فتاوى الإمام الشاطبي) ، ص (21 - 64) .
(3) كذا في المطبوع.