مس الشيطان وخبله-، وإذا دعاهم إلى عبادة المعبود بحق وحده لا شريك له؛ قالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [1] ، مع الإقرار بمقتضى هذه الدعوة الصادقة (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [2] . وإذا أنذرهم بطشة يوم القيامة أنكروا ما يشاهدون من الأدلة على إمكانه، وقالوا: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) [3] ، وإذا خوَّفهم نقمة الله قالوا: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [4] . اعتراضًا على صحة ما أخبرهم به مما هو كائن لا محالة، وإذا جاءهم بآية خارقة افترقوا في الضلالة على فرق، واخترفوا فيها -بمجرد العناد- ما لا يقبله أهل التهدي إلى التفرقة بين الحق والباطل ...
فكذلك كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأنكروا ما توقعوا معه زوال ما بأيديهم؛ لأنه خرج عن معتادهم، وأتى بخلاف ما كانوا عليه من كفرهم وضلالهم، حتى أرادوا أن يستنزلوه على وجه السياسة في زعمهم ليوقعوا بينهم وبينـ (ـه) [5] المؤالفة والموافقة ولو في بعض الأوقات، أو في بعض الأحوال، أو على بعض الوجوه، ويقنعوا بذلك؛ ليقف لهم بتلك الموافقة واهي بنائهم، فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق، والمحافظة على خالص الصواب، وأنزل الله (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ... ) إلى آخر السورة [6] .
فنصبوا له عند ذلك حرب العداوة، ورموه بسهام القطيعة، وصار أهل السلم كلهم حربًا عليه، عاد الولي الحميم عليه كالعذاب الأليم، فأقربهم إليه نسبًا كان أبعد الناس عن موالاته؛ كأبي جهل وغيره، وألصقهم به رحمًا كانوا أقسى قلوبًا عليه!.
فأي غربة توازي هذه الغربة؟! [7] ...
ثانيًا: العصبية لتراث الآباء والأجداد:
(1) سورة ص: آية 5.
(2) سورة العنكبوت: آية 65.
(3) سورة ق: آية 3.
(4) سورة الأنفال: آية 32.
(5) ما بين القوسين زدته لظني أن السياق يقتضيه.
(6) سورة الكافرون: الآيات 1 - 6.
(7) الاعتصام للإمام الشاطبي: (1/ 19 - 21) .