ومن عادة المشركين والوثنيين: تقديس ما وجدوا عليه آباءهم، وتحريم المساس بشيء منه؛ إذ هو عندهم الشرع الأعظم، والمنهج الأقوم، الذي يعتبر من تردد في قبول شيء منه -بل من رده، أو ردَّ بعضه- مسفِّهًا للسابقين، مزريًا بعقولهم، مستكبرًا عليهم، غير مؤدٍّ لحقوق البر الواجب لهم؛ فهو منسوب إلى عقوقهم، والسعي لإخمال ذكرهم.
ولهذا كان أكبر طاغوت تحارب به دعوات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو طاغوت التقليد والعادة المتبعة.
فهؤلاء قوم موسى يردون دعوته لأنها ستلفتهم عما كان عليه آباؤهم، وتجعلهم أتباعًا لأصحاب الدعوة الجديدة، وهذا ما لا يطيقونه: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ) [1] .
وهذا إبراهيم عليه السلام يخاطب قومه قائلًا: ( .. مَا تَعْبُدُونَ. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ. قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ. قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) [2] .
فحين يقهرهم بالحجة المفحمة المبينة عن سخف هذه الأسطورة وتهافتها، وأنها لا تستند إلى عقل ولا نقل؛ يهربون إلى التعلل بالتقليد ومحاكاة الآباء والأجداد فحسب!.
وعندئذ يعلن الداعية حقيقة الأمر، ويبين أن الإسلام لا يقيم وزنًا للأعراف والعوائد الموروثة عن الآباء والأجداد، ما دامت مصادمة للحق مناقضة للوحي: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) [3] .
وإذا كان صرّح -هاهنا- ببراءته من الآلهة المدعاة، وجاهر بعدواتها؛
(1) سورة يونس: آية 78.
(2) سورة الشعراء: الآيات 70 - 74.
(3) سورة الشعراء: الآيات 75 - 77.