فإننا نجده يصرح مرة أخرى ببراءته من عابديها، وعداوته لهم، وتضليله لما كانوا عليه: (قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [1] ، (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ .. ) [2] .
وهذا المسلك في الحيدة عن منهج الرسل، ورفض المناقشة العقلية، ومقارعة الحجة بالحجة؛ ليس خاصًا بهؤلاء أو أولئك؛ بل هو دأب المشركين والمعارضين لدين الله -على مر الأجيال-.
فهم إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب، وإلى ما جاء به النبي عليه السلام، من الحق والصواب؛ تلجلجوا، وقالوا: (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) [3] ، (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) [4] .
وإذا استنكر عليهم الدعاة الأطهار المصلحون ولوغهم في الشهوات وانهماكهم في الفواحش، وساءلوهم عن ذلك؛ قالوا: (وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أَمَرَنَا بِهَا) [5] .
وما ذلك إلا لفقدان الحجة لديهم، وانقطاع المعذرة؛ إذ إنهم لا يستندون إلى عقل يهديهم، ولا كتاب يشهد لهم؛ ولذلك قال الله تعالى عنهم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ الله قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) [6] .
وبالجملة فهذه هي القاعدة المطردة عند جميع الأقوام المكذبين لرسلهم، الرادين عليهم دعوتهم، مهما يكن فيها من النور والهدى، يسجلها الله على كفار بني يعرب -خاصة- ثم على المكذبين عامة.
(1) سورة الأنبياء: آية 54.
(2) سورة الممتحنة: آية 4.
(3) سورة المائدة: آية 104.
(4) سورة البقرة: آية 170.
(5) سورة الأعراف: آية 28.
(6) سورة لقمان: الآيتان 20، 21.