(أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ. بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ. وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ. قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) [1] .
وإنما أوقع المشركين في هذا التقليد الكافر، المهدر لعقولهم، المسقط لقيمتهم البشرية، استغلال الشيطان لفطرة مركوزة -أصلًا- في الإنسان، تدعوه إلى الوفاء للآباء والأجداد، وتربطه بتراثه وتاريخه، وهذا من أعظم وسائله في الكيد: أن يأتي الإنسان من قبل غريزة مطبوعة فيه من حب الشهوة والوطن والمال وغيرها.
عن سبرة بن أبي فاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: تسلم وتذر دينك، ودين آبائك وآباء أبيك؟ فعصاه، فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك، وسماءك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطِّوَل [2] ؟!، فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النفس والمال، فتقاتل، فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال؟! فعصاه فجاهد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فمن فعل ذلك كان حقًا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، ومن قُتل كان حقًا على الله عز وجل أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، أو وَقَصَتْهُ [3] دابته كان حقًا على الله أن يدخله الجنة" [4] ."
فالإغراء الملحوظ في هذا الكيد الذي خبَّر عنه النبي صلى الله عليه وسلم؛ هو مخاطبة الدوافع الفطرية عند الإنسان، فالتحذير من الإسلام لأنه مخالف لعوائد الأجداد، والتحذير من الهجرة لأنها خروج من الوطن الذي أقلت
(1) سورة الزخرف: الآيات 21 - 24.
(2) الطِّوَل: هو الحبل.
(3) معنى"وَقَصَتْهُ": أي سقط عنها فاندقت عنقه فمات. انظر: النهاية (5/ 214) .
(4) رواه النسائي في: 24 - كتاب الجهاد، 19 - ما لمن أسلم وهاجر وجاهد (6/ 21 - 22) ، وهذا لفظه.
والإمام أحمد في مسنده: (3/ 483) .
وابن حبان - كما في الموارد: 26 - كتاب الجهاد، 3 - باب في فضل الجهاد، رقم (1601) ، ص (385) .
كلهم من طريق هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل عبد الله بن عقيل، حدثنا موسى بن المسيب، عن سالم بن أبي الجعد، عن سبرة.
وهاشم بن القاسم، أبو النضر: ثقة ثبت. انظر: التهذيب (11/ 18) ، التقريب (2/ 314) .
وأبو عقيل الثقفي، هو عبد الله بن عقيل، وهو صدوق. انظر: التهذيب (5/ 323) ، التقريب: (1/ 434) .
وموسى بن المسيب الثقفي، أبو جعفر الكوفي البزار: صدوق، انظر: التهذيب: (10/ 372) ، التقريب: (2/ 288) .
وسالم بن أبي الكجعد: ثقة كثير الإرسال. انظر: التهذيب (3/ 432) ، التقريب: (1/ 279) . فالحديث بهذا الإسناد حسن.
وقال الحافظ ابن حجر عن رواية النسائي:"بإسناد حسن إلا أن في إسناده اختلافًا"، الإصابة ترجمة رقم (3080) ، (4/ 120) ، ولم يتبين لي وجه الاختلاف.
وقد رواه الطبراني في الكبير: (657) ، سبرة بن أبي فاكه برقم (6558) ، (7/ 138) ، من طريق محمد بن فضيل عن موسى بن سالم.
وفي المسند المطبوع تحرف اسم أحد الرواة من (موسى بن المسيب) إلى (موسى بن المثنى) .