وكان يوجه صحبه لما تقتضيه المصلحة من الدعوة أو السكوت، ومن الاعتزال أو المخالطة، ومن السريَّة أو العلنيَّة، وكان يلتزم الصبر والكف في حال، ويقوم بالجهاد والقتال في حال، ويدافع عن الإيمان وأهله في حال، ويهاجم الأعداء في عقر دورهم في حال، وهذه هي الحكمة، وهذا هو مقتضى الشرع الذي يراعي جلب المصلحة وتحصيلها، ودفع المفسدة وتقليلها، ولا يمكن أن يعمل بالحكمة الصحيحة إلا من وهبه الله:
أ- العقل الذي يستطيع تمييز النافع من الضَّار، وتوقع النتائج والآثار من المقدمات والأسباب، ومعرفة سبل تحصيل المصالح، وتوقّي المفاسد.
ب- العلم الشرعي المقتبس من القرآن والسنة، والذي يجعل المصلحة مضبوطة بضوابط الشرع، إذ إن الذي يقدر المصلحة هو الشرع، وقد يكون الأمر الذي يحسبه الإنسان مصلحة أمرًا موهومًا لا حقيقة له.
ولذلك يقول الفيروزآبادي، وهو يعدد معاني الحكمة في القرآن الكريم:"السادس: بمعنى حجة العقل على وفق أحكام الشريعة (ولقد آتينا لقمان الحكمة) [1] ، أي: قولًا يوافق العقل والشرع" [2] .
والمسلم الذي يعنيه شأن الإسلام - في هذا العصر، وفي كل عصر- مطالب شرعًا بمواجهة الغربة التي يعيشها، وتعيشها معه الفرقة الناجية ... -بصفة خاصة-، والطائفة المنصورة -بصفة أخص- بالوسائل المشروعة التي تؤدي -بإذن الله- إلى اندفاعها وزوالها بالكليَّة، أو تقليلها وتخفيفها ودفع ما يمكن دفعه منها.
فإن لم يكن هذا ولا ذاك ممكنًا واجهها بالأسلوب الشرعي الصحيح الذي يضمن نجاته وسلامته من آثارها، ومحافظته على نفسه ودينه، وإقباله
(1) سورة لقمان، الآية: 12.
(2) بصائر ذوي التمييز: (2/ 491) .
وانظر: في معنى ارتباط الحكمة بالعقل والشرع: تفسير الطبري (3/ 89 - 91) ، التصاريف ليحيى بن سلاّم، ص (201) وغيرهما.