الصفحة 506 من 583

على خاصته، وتركه أمر العامة.

وقد سبق في الرسالة الثالثة الحديث عن الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر، باعتبار هذه الأمور من العوامل الرئيسية في مواجهة الغربة ودفعها، وهي تمثل الجانب الإيجابي الذي هو الأصل في الشريعة والحال العام المطرد.

وسيتناول هذا الكتاب - بإذن الله - نوعًا آخر من الأحكام التي يواجه بها المسلم غربته في بعض الأزمنة، وهي: العزلة، والاستسرار بالدين، والتقاة، وإنما اخترت تسميتها أحكامًا مع أنها - هي الأخرى - تعد من أساليب مواجهة الغربة؛ لأن العمل بها خاص في زمن الغربة؛ بل في مرحلة معينة من مراحل الغربة، بخلاف الجهاد، والدعوة، والأمر، والنهي، والصبر وغيرها، فإنها أمور مطلوبة في كل وقت وحين، وليست خاصة في زمن الغربة، ولكن دراستها - ضمن بحث الغربة - يقصد به دفع توهم أن الغريب حكمه العزلة والانطواء، وترك أمر الناس للناس، وبيان أن من الغرباء مجاهدين، ودعاة عاملين، وعلماء مخلصين، وآمرين بالمعروف، وناهين عن المنكر، لم يمنعهم إحساسهم بالغربة من القيام بهذه الواجبات؛ بل كان حافزًا لهم إلى مضاعفة الجهد، واستفراغ الوسع في دفع الغربة عن الدين وأهله، وتلمّس السُّبل الصحيحة المناسبة لحال العصر وظروفه.

والله المستعان على كل حال، ولا حول ولا قوة إلا به -تعالى-، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت