الفصل الأول
العزلة والخلطة وأحكامها
معنى العزلة والخلطة:
العزلة أصل صحيح، يدل على التنحية والإمالة، تقول: عزل الإنسان الشيء يعزله، إذا نحّاه في جانب، وهو بمعزل عن أصحابه، أي: في ناحية عنهم، والعُزلة - بالضم - الاعتزال [1] .
وقد جاءت العزلة في القرآن والسنة لمعان عديدة، تتراوح بين المفارقة الكلية المطلقة والمفارقة الجزئية، وبين الاعتزال الحسي، والاعتزال المعنوي [2] .
وقد جمع هذه المعاني الراغب الأصفهاني [3] بقوله:
"الاعتزال: تجنب الشيء، عمالة كانت، أو براءة، أو غيرهما، بالبدن كان ذلك، أو بالقلب" [4] .
أقول: أو بهما معًا.
فمما يدخل في معنى الاعتزال بالبدن قوله - تعالى-: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ) [5] أي: قد اعتزل فلم يركب معهم السفينة [6] .
وقوله: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) [7] .
ومما يدخل في معنى الاعتزال بالقلب والبدن معًا قول الله -تعالى- عن إبراهيم: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًا جَعَلْنَا نَبِيًّا) [8] .
(1) انظر: معجم مقاييس اللغة (4/ 307) ، والقاموس المحيط (4/ 15) .
(2) سيأتي تفصيل ذلك في أثناء هذا الكتاب - إن شاء الله -.
(3) هو أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل الأصفهاني، أديب لغوي مفسِّر، له عدد من المؤلفات النافعة منها: الذريعة إلى مكارم الشريعة، والمفردات في غريب القرآن، ومحاضرات الأدباء .. وغيرها، توفي سنة (502 هـ) .
انظر: السير (18/ 120) ، والأعلام (2/ 255) ، معجم المؤلفين لرضا كحالة (4/ 59) .
(4) المفردات في غريب القرآن (ص 334) .
(5) سورة هود، الآية: 42.
(6) انظر: تفسير الطبري (12/ 45) .
(7) سورة البقرة، الآية: 222.
(8) سورة مريم، الآيتان: 48، 49. وانظر: تفسير الطبري (16/ 92 - 93) .