وقوله عن أهل الكهف: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فاوُوا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته) [1] .
ولم أجد لفظ"العزلة"- في كلام الله -تعالى- أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم - بمعنى العزلة القلبية البحتة، وإن كان المعنى ورد بغير هذا اللفظ، كالمزايلة والمخالفة وغيرهما [2] .
أما الخلطة فهي الممازجة والمداخلة، تقول: خلطت الشيء بغيره فاختلط، ورجل مِخلَط، أي: حسن المداخلة للأمور، وعكسه المِزْيَل [3] .
قال الشاعر [4] :
وإن قال لي: ماذا ترى يستشيرني
يجدني ابن عمي مِخْلَط الأمر مِزْيَلا [5]
وهذا البيت يؤكد أن المزايلة ضد المخالطة، وبناء عليه يصح إطلاق الاعتزال على البراءة القلبية، وعلى ما يتبعها من المخالفة في الرأي والقول والعمل، ولو مع الاختلاط بالبدن؛ لأنه جاء الأمر بالمزايلة والمخالطة معًا [6] كما في الأثر:"خالطوا الناس وزايلوهم". فلزم حمل المزايلة على معنى البراءة القلبية، إذ هي التي تجامع المخالطة الجسدية.
وهذا معنى مهم، يشهد لصحته ما سبق في فصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من وجوب التغيير بالقلب - عند العجز عن التغيير باليد واللسان - واعتبار التغيير بالقلب أضعف الإيمان، وليس وراءه من الإيمان حبة خردل [7] . وهو جزء من معنى الولاء والبراء ..
والتغيير بالقلب يعني كراهية المنكر وأهله والبراءة منه، ولو اقتضى الأمر مخالطتهم بالجسد.
(1) سورة الكهف، الآية: 16.
(2) سيأتي بسط ذلك في أثناء البحث- بإذن الله-.
(3) انظر: معجم مقاييس اللغة (2/ 208) ، والقاموس المحيط (2/ 371) .
(4) نسبه ابن فارس لأوس، وهو ابن حجر، شاعر جاهلي، أكثر من الإشادة بمكارم الأخلاق. والبيت في ديوانه ص (82) ، وفي شرح شواهد المغني للسيوطي: (1/ 400) .
(5) قال السيوطي: أي أخالط بأمري في موضع المخالطة، وأزايل في موضع المزايلة، أي أخلط، وأميز ما ينبغي أن أميزه. شرح شواهد المغني: (1/ 401) .
(6) ستأتي بعض النصوص في ذلك - إن شاء الله -.
(7) انظر ما سبق في الكتاب الثالث، الفصل الثاني.