بين العزلة والخلطة:
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في فضل العزلة، وأخرى في فضل الخلطة، وقد يستشكل بعض الناس كيفية فهم كل من هذه الأحاديث والجمع بينها.
وسأسوق نماذج من النوعين، ثم أبيِّن الوجه في تأويل كل منها، وأنّ بعضها يكمل بعضًا، ويجري معه على سَنَن الوفاق، وقضية الائتلاف والاتّساق.
فأما أحاديث مدح العزلة فأكثرها جاء بمدح نوع خاص من العزلة، أو مدح العزلة في زمن خاص، كمدح العزلة عن سلاطين السوء، ومدح العزلة في زمن الفتنة، أما مدح العزلة مطلقًا فلم يثبت فيه من الأحاديث إلا القليل.
فمنها ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شِعْبٍ من الشِّعَاب، يتقي الله، ويدع الناس من شره" [1] .
ومنها ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"من خير مَعَاش الناس لهم رجل ممسك عِنَان فرسه في سبيل الله، يطير على مَتْنِه [2] ، كلما سمع هَيْعَة [3] أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مَظَانَّهُ [4] ، أو رجل في غُنَيمْة [5] ، في رأس شَعَفةٍ [6] من هذه الشَّعَف، أو بطن وَادٍ من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من الناسِ إلا في خير" [7] .
(1) رواه البخاري فى: 56 - كتاب الجهاد والسير، 2 - باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه في سبيل الله (3/ 201) ، وفي: 81 - كتاب الرقاق، 34 - باب: العزلة راحة من خلاط السوء: (7/ 188) . ومسلم في: 23 - كتاب الإمارة، 34 - باب فضل الجهاد والرباط، برقم (122، 123، 124) ، (3/ 1503) .
-وأبو داود فى: 9 - كتاب الجهاد، 5 - باب في ثواب الجهاد برقم (2485) ، (3/ 11) ، وفيه: أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: رجل يجاهد .. ورجل يعبد الله في شعب من الشعاب.
-والترمذي في: 23 - كتاب فضائل الجهاد، 24 - باب ما جاء أي الناس أفضل؟ برقم (1660) ، (4/ 186) ، وقال: هذا حديث صحيح.
-والنسائي في: 25 - كتاب الجهاد، 7 - فضل من يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، (6/ 11) .
-وابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 13 - باب العزلة، برقم (3978) ، (2/ 1316) . وعبد الرزاق في المصنف: باب خير الناس في الفتن، برقم (20761) ، (11/ 368) . وأحمد في المسند (3/ 16، 37، 56، 88) .
-وابن أبي عاصم في الزهد، برقم (44) ، ص (26) ، وليس فيه ذكر المؤمن المجاهد. والخطابي في كتاب العزلة، ص (10) .
-وابن حبان، كما في الإحسان .. ذكر البيان بأن الاعتزال لمن تفرد بغنمه، مع عبادة الله، إنما يستحق الثواب الذي ذكرناه إذا ... لم يكن يؤذي الناس بلسانه ويده، برقم (595) ، (1/ 495) وفيه: أي الأعمال أفضل؟ وفي المطبوع سقط.
-وفى روضة العقلاء: ذكر استحباب الاعتزال من الناس .. ص (81) .
-والحاكم في: كتاب الجهاد، (2/ 71) ، وفيه: أي المؤمنين أكمل إيمانًا؟ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
-والبيهقي في السنن: كتاب السير، باب في فضل الجهاد في سبيل الله، (9/ 159) .
-وفي الزهد الكبير: برقم (118) ، ص (122) ، وفيه أن السائل هو النبي صلى الله عليه وسلم فقال الناس: الله ورسوله أعلم (ثلاث مرات) .. ثم قالوا: من جاهد بنفسه وماله، قال: ثم من؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: مؤمن يعتزل في شعب يتقي ربه، ويدع الناس من شره.
-ورواه البخاري في: 81 - كتاب الرقاق، 34 - باب العزلة راحة من خلاط السوء، (7/ 188) ، ولم يسم أبا سعيد؛ بل قال: عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
(2) أي: ظهره، والمعنى: يسارع على ظهره. النووي على مسلم ... (13/ 35) .
(3) الهيعة هي: الصوت عند حضور العدو، وهي بفتح الهاء وإسكان، الياء، والفزعة- بإسكان الزاي: النهوض إلى العدو. النووي (13/ 35) .
(4) أي: يطلبه في مواطنه التي يرجى منها لشدة رغبته في الشهادة. النووي: (13/ 35) .
(5) بضم: الغين، تصغير الغنم، أي: قطعة منها. النووي (13/ 35) .
(6) الشَعَفة بفتح الشين والعين، أعلى الجبل. النووي (13/ 35) .
(7) رواه مسلم في: 33 - كتاب الإمارة، 34 - باب فضل الجهاد والرباط، برقم (125، 126، 127) ، (3/ 1503 - 1504) .
-والنسائي في الكبرى في: 50 - كتاب السير، 154 - باب الفضل في ذلك (أي: في السبق إلى النفير، وترك انتظار الناس في ذلك) (ل: 118ب)
-وابن ماجه في: 36 - كتاب الفتن، 13 - باب العزلة، برقم ... (3977) ، (2/ 1316) .
-وأحمد في المسند (2/ 443) وفي أوله: ليأتين على الناس زمان يكون أفضل الناس فيه .. فذكر نحوه.
-والبيهقي في السنن: كتاب السير، باب في فضل الجهاد في سبيل الله (9/ 159) .
* وللحديث طرق أخرى عند:
-الإمام أحمد في المسند (2/ 396، 523) .
-والحاكم في المستدرك كتاب الجهاد، (2/ 67) ، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.