ومن المعلوم أن الإنسان لا يدري مقدار تحققه بالأخلاق الفاضلة، أو مقدار تخلصه من الأخلاق المذمومة إلا بمخالطة الناس ومعاشرتهم ومعاملتهم في الشؤون المختلفة، بحيث يتبين مدى صبر الإنسان وحلمه، وسعة خلقه وطيب معشره، أو يتبين ضد ذلك من التبرّم، والضيق، والغضب، وسوء الخلق، ورداءة الطبع.
فالإسلام دين الجماعة، والتوجيهات الإلهية في معظمها موجهة إلى (الذين آمنوا) وفيها الحثّ لهم على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، وفيها الحث على التعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، وفيها الحث على الجهاد والقتال صفًّا كأنهم بنيان مرصوص ... إلخ.
وجاء الشرع بإقامة بنيان الأخوّة الإِسلامية بين المؤمنين، وبيان فضلها وأهميتها، والوعد بعظيم الأجر للمتحابين في الله، والمتزاورين فيه، والمتجالسين فيه، والمتباذلين فيه، كما جاء بالنهي عن التباغض، والتدابر، والتهاجر، وسائر الأسباب التي تورث الضغينة وتسبب البغضاء بين المؤمنين [1] .
ثانيًا: وبناء على هذا الأصل المهم المتين، فإن الأصل في العزلة الكلية المطلقة هو المنع، حيث يترتب عليها تضييع الحقوق، وتفويت الفرائض، وتعطيل كثير من الواجبات، كترك التعلم والتعليم، والأمر والنهي، وصلة الرحم والقرابة، مع التعرض لكيد الشيطان ومكره ووسوسته وتلبيسه، فإنه إنما يأكل القاصية من الغنم.
كما في حديث أبي الدرداء - رضىِ الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنَّما يأكل"
(1) كما في حديث أنس- رضي الله عنه- مرفوعًا: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام.
-رواه البخاري في: 78 - كتاب الأدب، 57 - باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، (7/ 88) ، 62 - باب الهجرة .. ، (7/ 91) .
-ومسلم في: 45 - كتاب البر والصلة والآداب، 7 - باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، برقم (23، 24) (4/ 1983) .
-وأبو داود في: 35 - كتاب الأدب، 55 - باب فيمن يهجر أخاه المسلم، برقم (4910) ، (5/ 213) .
-والترمذي في: 28 - كتاب البر والصلة، 24 - باب ما جاء في الحسد، برقم (1935) ، (4/ 329) ، وزاد: لا تقاطعوا، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أبي بكر الصديق، والزبير بن العوام، وابن مسعود، وأبي هريرة.
-وأحمد في المسند (3/ 110، 119، 209، 225، 165) .
-وأبو داود الطيالسي في: ما أسند أنس بن مالك الأنصاري- رضي الله عنه-، الزهري عن أنس .. ، برقم (2091) ، ص (280) .