الصفحة 67 من 583

عنهم، وكان صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره، مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه"، فخرجنا إليها أرسالًا، حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أَمِنّا على ديننا، ولم نخش منه ظلمًا [1] ...

ولا شك أن بعث الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الحبشة هو نوع من الاستفادة من بعض الظروف والفرص السياسية في تحقيق مكاسب للدعوة، وفي تجاوز بعض الصعوبات التي تواجه أصحابها.

ولكن اضطرار الرسول عليه الصلاة والسلام إلى هذا الأمر كان ناتجًا عن عدم وجود مستقر للدعوة يأوي إليه المهاجرون، فكان اغتراب المهاجرين الأولين اغترابًا حسيًّا مع تمتعهم بالحرية الدينية، وسلامتهم من الأذى والاضطهاد ... هو الحل المناسب لتلك المرحلة حتى يأذن الله بإعزاز الاسلام وقيام دولته.

لهذه الأسباب ولغيرها، واجه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودعوته غربة شديدة مستحكمة في مطلع الدعوة، تمثلت في مظاهر شتى، وحفظت لنا الروايات والأخبار الصحيحة منها الكثير الكثير ...

وهذا ما سيتحدث عنه الفصل الثاني المتعلق بمظاهر الغربة، ونماذج لها.

(1) رواها ابن إسحاق في السير والمغازي: ص (213) حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبدالرحمن .. عن أم سلمة.

وهو في سيرة ابن هشام - إرسال قريش إلى الحبشة في طلب المهاجرين إليها، مسندًا: (1/ 357) .

ورواه البيهقي: في سننه، كتاب السير، باب الإذن بالهجرة: (9/ 9) والزهري: إمام متفق على جلالته وإتقانه. انظر: التهذيب: (9/ 445) والتقريب: (2/ 207) .

وأبو بكر بن عبد الرحمن هو ابن الحارث بن هشام المخزومي، مدني تابعي إمام ثقة، انظر: التهذيب: (12/ 30) ، القريب: (2/ 398) .

فالإسناد حسن لحال ابن إسحاق -كما سبق-.

ومن طريقه رواه الإمام أحمد في المسند: (5/ 290) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت