الصفحة 66 من 583

بَرْك الغِماد [1] ، لقيه ابن الدَغِنة [2] - وهو سيد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي! فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرُج ولا ُيخْرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخْرُج مثله، ولا يُخْرَج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكَلَّ، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة: مُرْ أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصلّ فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر ... الحديث [3] .

وإذًا، فإن أبا بكر - وهو من هو كما يدل على ذلك موقف ابن الدغنة، واستجابة قريش له - يصرح بأن قومه أخرجوه، فهو يريد أن يسيح في أرض الله - ولم يصرح بمقصده - وأن يعبد ربه.

وللمكانة التي كانت لأبي بكر في نفوس أهل مكة؛ كان إيذاؤهم له من نوع خاص، وكان على شاكلته عدد من الذين هاجروا فعلًا إلى أرض الحبشة كما يتضح من استعراض أسمائهم [4] .

ولكن غالبيتهم كانوا يواجهون الأذى الحسي بأنواعه، والضرب والتنكيل، والفتنة، ولهذا أمرهم صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة.

عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك

(1) بفتح الباء الموحدة وسكون الراء، والغماد - بكسر الغين المعجمة وتخفيف الميم، وهو موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمن، الفتح (7/ 232) .

(2) بفتح أوله، وكسر ثانيه، وتخفيف النون - عند الرواة -، وضبط على غير هذا واختلف في اسمه، فقيل: الحارث بن يزيد، وقيل مالك، وهو سيد القارة - بتخفيف الراء - وهي قبيلة مشهورة من مضر وكانوا حلفاء لبني زهرة .. انظر: الفتح (7/ 233) .

(3) رواه البخاري في: 63 - مناقب الأنصار، 45 - باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، إلى المدينة: (4/ 254) ، وفي: 8 - كتاب الصلاة 86 - باب المسجد يكون في الطريق ... (1/ 122) وفي: 39 - الكفالة في القرض والديون، 4 - باب جوار أبي بكر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .. فذكر طرفه، ثم ساقه تعليقًا: (3/ 58) .

(4) ورواه عبد الرزاق في المغازي، باب من هاجر إلى الحبشة، رقم (9743) ، (5/ 385) .

(74) ... كجعفر بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وغيرهم .. انظر: سيرة ابن هشام: (1/ 344 - 353) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت