الصفحة 65 من 583

سادسًا: وقوع المؤمنين تحت سلطة الكفار من قومهم:

وأمام ذلك الكيد الجاهلي الدائب، كان يقف الرسول صلى الله عليه وسلم أعزل من كل سلاح إلا سلاح الإيمان بالله، والثقة بوعده، أعزل من كل قوة إلا قوة العزيمة، والإصرار، والمضاء، والتصميم.

ولم يكن يملك صلى الله عليه وسلم أن يدفع عن أتباعه المستضعفين شيئًا من العذاب الذي ينزله بهم قومهم دون رحمة ولا هوادة، إذ كان أتباعه - مع قلتهم- أفرادًا متفرقين من قبائل شتى، فكانوا يشاركونه صلى الله عليه وسلم غربته، ويقاسمونه مصاعبها، فلا يملكون - في كثير من الأحيان- أن يعلنوا إسلامهم، فضلًا عن أن يدعوا إليه فكانوا غرباء في قبائلهم، وبين قومهم، وكان قائدهم صلى الله عليه وسلم هو الآخر غريبًا في قبيلته، وبين قومه.

ذلك أنه لم يكن للإيمان موطن يفيء إليه، ولا للمؤمنين قبيلة تدفع عنهم؛ فكان من أسلم يبقى في قومه - خاصة إذا لم يكن في مكة- مستخفيًا ينتظر ظهور أمر النبي صلى الله عليه وسلم واستقراره في مهجر، كما في قصة عمرو بن عبسة رضي الله عنه، وسيأتي تفصيلها في موضعها - إن شاء الله -.

وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه مضطرًا إزاء إيذاء المشركين، واضطهادهم لأتباعه -خاصة من المكيين-؛ أن يبحث عن حل مؤقت يحمي أتباعه من الفتنة والتنكيل - وكانت الحبشة آنذاك تتمتع بحكم عادل، في ظل ملك لا يسمح بالظلم، ولا يقره، وهو النجاشي، ومن هنا جاءت الهجرة إلى الحبشة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى بلغ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت