الصفحة 64 من 583

الله عليه وسلم، ثم على من معه من القلة المستضعفة بمكة وما حولها، بأيدي الأقربين قبل الأباعد!، الأقربين الذين كان يخاطبهم صلى الله عليه وسلم أن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة بترك إيذائه إذ لم يستجيبوا لدعوته، وهم كانوا أولى الناس بقبول الدعوة، وحمايتها. (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [1] .

ولم يكن بطن من بطون قريش، إلا وبينهم وبين الرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة، فكان واسط النسب فيهم، ليس من حي منهم إلا قد ولّدوه.

فلما كذبوه وأبوا عليه التمس منهم أن يحفظوا قرابته فيهم، فلا يكون غيرهم من العرب أولى بحفظه، ونصرته، وحمايته.

عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) فقال سعيد بن جبير:"قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة" [2] .

فلم تستجب قريش لهذا، ولا لذاك، ولم ترض أن يجد الرسول صلى الله عليه وسلم من يؤويه، ويحميه، من القبائل الأخرى.

وقد استبد بطغاتها وَهْمٌ خَيَّل لهم أن بإمكانهم أن يطفئوا نور الله بأفواههم، وأن يحجبوا الشمس بأيديهم الصغيرة، وأن يئدوا هذه الدعوة في مهدها، ولكن هيهات!!. (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [3] .

لقد عاش صلى الله عليه وسلم تلك السنين العجاف، البداية المحرقة التي كانت - بإذن الله - سببًا للنهاية المشرقة.

(1) سورة الشورى: آية 23.

(2) رواه البخاري في: 65 - كتاب التفسير، 42 - سورة حم عسق، 1 - باب قوله: (إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ، (6/ 37) ، وفي: 61 - كتاب المناقب، 1 - باب (4/ 154) .

والترمذي في: 48 - كتاب التفسير، 44 - باب: من سورة حم عسق، رقم (3251) ، وقال: حسن صحيح، (5/ 377) .

والإمام أحمد في مسنده: (1/ 229) .

والنسائي في الكبرى في التفسير كما في التحفة: (5/ 18) .

والطبري في التفسير، تفسير سورة الشورى: (25/ 23) .

والحاكم في مستدركه، من وجه آخر، كتاب التفسير: تفسير سورة حم عسّق: (2/ 444) .

وعزاه الحاكم في مستدركه - في الموضع نفسه -، ثم السيوطي في الدر المنثور: (7/ 345) إلى مسلم أيضًا، وخالفهما المزي، حيث لم يعزُه إلى مسلم في مسند طاوس عن ابن عباس من تحفة الأشراف: (5/ 3 - 31) ، وكذلك ابن كثير في التفسير: (4/ 112) حيث قال: انفرد به البخاري، وقد راجعت مظانه في مسلم فلم أعثر عليه، والله أعلم.

(3) سورة الصافات: الآيات 171 - 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت