الصفحة 63 من 583

قال [1] : قلنا: انعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بين بردين أحمرين، مربوع، كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر أبيض شديد البياض، سابغ الشعر [2] .

وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم، في الموسم، ومجنة، وعكاظ، ومنازلهم من منى: من يؤويني؟ من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالات ربي، فله الجنة، فلا يجد أحدًا ينصره، ولا يؤويه؛ حتى إن الرجل ليرحل من مضر، أو من اليمن، إلى ذوي رحمه، فيأتيه قومه، فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل يشيرون إليه بالأصابع [3] .

وهذه القصص تكشف عن الجهد البالغ الذي كانت قريش تبذله في تحذير الناس من الدعوة ومن صاحبها، وهو جهد فردي وجماعي، يتولاه الكبار كأبي جهل وأبي لهب، على مستوى القبائل كلها، وتتولاه كل قبيلة فيما يتعلق بأفرادها. وما أشقها على النفس!.

محمد صلى الله عليه وسلم المكلف بتبليغ دعوة الله - يغشى الناس في أسواقهم ومنتدياتهم، ويتخلل منازل الحجيج بمنى، يعرض ما عنده عليهم- بالكلمة الطيبة، ولا يكره أحدًا على شيء سوى أن يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وإلى نصرته وحمايته، وهو وحيد غريب، فينبري له أقرب الناس إليه، يطارده أمام الملأ المتقصفين عليه، الناظرين إليه، يرميه بالحجارة، حتى يدمي عقبيه وعرقوبيه! ويضرب بالتراب على رأسه، ووجهه وصدره! ويصفه بالكذاب وهو الذي لم تؤثر عنه كذبة واحدة طيلة عمره! ويحرض الناس على مباعدته؛ لأنه يدعوهم إلى ترك اللات، والعزى، وما عليه الآباء، والأجداد، وترك حلفائهم من الجن من بني مالك بن أقيش!! إن هذا لهو البلاء المبين!.

وإن هذه لهي الغربة الحقيقية، تحكم خناقها على الداعية الأول صلى

(1) القائل: هو أشعت بن سليم، وتأتي ترجمته.

(2) رواه الإمام أحمد في المسند: (4/ 63) ، (5/ 371، 376) .

والبيهقي في الدلائل: باب قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (2/ 186) .

من طريق أبي النضر، قال: حدثنا شيبان، عن أشعث، قال: حدثني شيخ من بني مالك.

وأبو النضر: هو هاشم بن القاسم: ثقة ثبت، ومضى.

وشيبان: هو ابن عبد الرحمن التميمي - مولاهم - النحوي: ثقة. انظر: التهذيب (4/ 373) ، التقريب: (1/ 356) .

وأشعث: هو ابن أبي الشعثاء، واسم أبي الشعثاء: سليم بن أسود المحاربي، ثقة. انظر: التهذيب: (1/ 355) ، التقريب: (1/ 79) . فالحديث - بهذا الإسناد - صحيح.

وقد سمّت هذه الرواية الرجل: أبا جهل، خلافًا للروايات الأخرى قال ابن كثير:"وقد يكون وهمًا، ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا، وتارة يكون ذا، وأنهما كانا يتناوبان على إيذائه صلى الله عليه وسلم". السيرة النبوية: (2/ 157) .

(3) رواه أحمد في المسند: (3/ 322، 339) .

وابن حبان - كما في الموارد: 27 - كتاب المغازي والسير، 2 - باب البيعة على الحرب، برقم (1686) ، ص (408) .

والبزار - كما في كشف الأستار: كتاب الهجرة والمغازي، باب البيعة على الحرب، برقم (1756) ، (2/ 307) .

وقال: قد رواه غير واحد عن ابن خثيم، ولا نعلمه (عن) جابر إلا بهذا الإسناد.

والحاكم في: كتاب التاريخ: (2/ 624) ، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، جامع لبيعة العقبة، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

والبيهقي في الدلائل: باب ذكر العقبة الثانية ... (2/ 442) .

وفي السنن: كتاب السير، باب الإذن بالهجرة، (9/ 9) .

كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر.

وعبد الله بن عثمان بن خثيم: صدوق. انظر: التهذيب: (5/ 314) ، والتقريب: (1/ 432) .

وأبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدْرُس المكي: صدوق مدلّس، لا يقبل مما عنعن فيه إلا ما رواه الليث، حيث قال: قدمت مكة، فجئت أبا الزبير، فدفع إليَّ كتابين، وانقلبت بهما، ثم قلت في نفسي، لو عاودته فسألته: أسمِع هذا كله عن جابر؟ فرجعت فسألته، فقال: منه ما سمعت منه، ومنه ما حُدِّثت عنه، فقلت له: أعلم لي على ما سمعت منه، فأعلم لي على هذا الذي عندي. انظر: التهذيب (9/ 440) ، التقريب: (2/ 207) .

وقد صرّح أبو الزبير بالتحديث في رواية البيهقي.

فالحديث - بهذا الإسناد - حسن، وستأتي رواية أخرى شبيهة بهذه عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت