الصفحة 62 من 583

ولم تكتف قريش ببث الشائعات، وإطلاقها من مكة؛ بل كانت تلاحق الداعي المختار صلى الله عليه وسلم حيثما ذهب، وتجند من سفهائها -من ذوي الأحلام الطائشة، والنفوس الموتورة- ليسيئوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويشوهوا سمعته بين القبائل؛ كيلا يجرؤ أحد على إيوائه، أو اتباعه.

عن ربيعة بن عباد الديلي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرَ عيني بسوق ذي المجاز يقول: يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا. ويدخل في فجاجها، والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا. إلا أن وراءه رجلًا أحول، وضيء الوجه، ذا غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد ابن عبد الله، وهو يذكر النبوة، قلت: من هذا الذي يكذبه؟ قالوا: عمه أبو لهب.

قلت [1] : إنك كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا والله إني يومئذ لأعقل [2] .

وعن طارق بن شداد رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين: رأيته بسوق ذي المجاز، وأنا في بياعة لي، فمر وعليه حلة حمراء، فسمعته يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا. ورجل يتبعه يرميه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه، وهو يقول: يا أيها الناس، لا تطيعوا هذا؛ فإنه كذاب، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا غلام من بني عبد المطلب، فقلت: من هذا الذي يرميه بالحجارة، فقيل: عمه عبد العزى - أبو لهب بن عبد المطلب- [3] .

وعن شيخ من بني مالك بن كنانة رأى النبي صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها، يقول:"أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا". قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب، ويقول: أيها الناس، لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، وتتركوا اللات والعزى، قال: وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(1) القائل هو الراوي عن ربيعة وهو أبو الزناد: عبد الله بن ذكوان.

(2) رواه الإمام أحمد في المسند: (3/ 492) .

والبيهقي في الدلائل: باب قول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (2/ 186) .

من طرق كثيرة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن ربيعة.

وعبد الرحمن: صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، فرواية البغداديين عنه ضعيفة.

انظر: تاريخ بغداد (10/ 228) ، التهذيب: (6/ 170) ، التقريب (1/ 480) .

وأبوه هو عبد الله بن ذكوان: ثقة فقيه. انظر: التهذيب: (5/ 203) ، التقريب: (1/ 413) .

فالحديث: - بهذا الاسناد- حسن؛ لأنه رواه عنه البغداديون -كما في معظم الطرق-، ورواه عنه المدنيون -كما في إحدى روايتي البيهقي حيث رواه عنه إسماعيل ابن أبي أويس، وهو مدني صدوق من رجال الشيخين. انظر: التهذيب (1/ 310) ، التقريب (1/ 71) .

وقد جاء من طرق أخرى كثيرة:

فرواه الإمام أحمد: (3/ 492) ، (4/ 341، 341 - 342) .

و الطبري في التاريخ (2/ 348) .

من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، قال: سمعت ربيعة بن عباد.

وابن إسحاق: صدوق مدلّس، وقد صرح بالتحديث، ومضى.

وحسين بن عبد الله: ضعيف. انظر: التهذيب: (2/ 341) ، التقريب: (1/ 176) .

ورواه الإمام أحمد: (3/ 492) .

والحاكم في المستدرك: (1/ 15) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ورواته عن آخرهم ثقات أثبات.

من طريق سعيد بن سلمة -يعني ابن أبي الحسان-، حدثنا محمد بن المنكدر، أنه سمع ربيعة ..

وسعيد بن سلمة: صدوق صحيح الكتاب، يخطئ من حفظه. انظر: التهذيب: (4/ 41) ، التقريب (1/ 297) .

ومحمد بن المنكدر: ثقة فاضل. انظر: التهذيب: (9/ 473) ، والتقريب: (2/ 210) .

ورواه الإمام أحمد في المسند: (3/ 492) ، من طريق مصعب الزبيري، حدثني عبد العزيز بن محمد بن أبي عبيد، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد القرظي، عن ربيعة.

ومن طريق سريج بن يونس، حدثنا عباد، عن محمد بن عمرو، عن محمد بن المنكدر، فيما يظن عباد بن عباد، عن ربيعة.

ومن طريق محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن المنكدر، عن ربيعة.

(3) رواه ابن إسحاق في السيرة: قصة النبي صلى الله عليه وسلم لما عرض نفسه على العرب: ص (232) . وابن أبي شيبة في المصنف: كتاب المغازي، باب في أذى قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث (18414) (14/ 300) .

وابن خزيمة في صحيحه: كتاب الوضوء، 124 - باب ذكر الدليل على أن الكعبين .. العظمان الناتئان في جانب القدم .. ، رقم (159) ، (1/ 82) .

وابن حبان - كما في الموارد: 27 - كتاب المغازي والسير، 1 - باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام .. ، رقم الحديث (1683) ، ص (406) .

والحاكم في المستدرك: كتاب التاريخ، أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، (2/ 612) وقال: هذا صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.

والبيهقي في السنن: كتاب الطهارة، باب الدليل على أن الكعبين هما الناتئان في جانب القدم، (1/ 76) .

كلهم من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق.

ويزيد: صدوق. انظر: التهذيب: (11/ 328) ، التقريب (2/ 364) .

وجامع بن شداد: هو المحاربي، ثقة. انظر التهذيب: (2/ 56) ، والتقريب: (1/ 124) . فالحديث - بهذا الإسناد - حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت