(ب) ويضاف إلى تأثير تلك المكانة الخاصة التي تبوأتها قريش عند
العرب أن الرسول المبعوث عليه صلوات الله وسلامه كان من قريش نفسها، وكان منطق العرب يقول: إن القبيلة أعلم وأدرى بصاحبها وأخبر بشأنه، فلم نكن لنفتات عليهم فيه.
فلم تكد قبيلة من قبائل العرب تفكر - أول الأمر- بالاستجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم أو إيوائه، وهذه قبيلة قريش ترفض دعوته، وتعرض عنها .. ، وهي قريش ذات المكانة والسؤدد! وهي قبيلته التي تعرفه حق المعرفة!
(ج) هذا لو لم يكن من قريش إلا مجرد الإعراض عن الدعوة، وعدم قبولها، فكيف إذا انضم إلى ذلك الحرب الإعلامية التي شنتها على الدعوة وصاحبها، والحصار الذي ضربته عليها بكل وسيلة؟!
فلقد كان زعماء قريش يجتمعون ليتدارسوا ما يقولون في شأن هذا القرآن، وما يقابلون به وفود العرب القادمين إلى مكة في الموسم، ويحاولون أن يتفقوا على كلمة واحدة في شأن هذا القرآن، وشأن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم [1] .
قال تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا. وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدودًا. وَبَنِينَ شُهُودًا. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا. ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ. كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا. سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا. إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ نَظَرَ. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ. فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ) [2] .
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة المخزومي، وما قاله بشأن القرآن، حيث زعم أنه سحر يفرق بين المرء وزوجه، وبين المرء وأخيه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نقل هذا السحر وأثره عن غيره [3] .
(1) انظر: سيرة ابن هشام: (1/ 499) ، والسير والمغازي لابن إسحاق ص (150 - 152) ، والطبري في التفسير- سورة المدثر: (29/ 156 - 157) ، والدلائل للبيهقي: (2/ 200) .
وفيها: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إلى نفر من قريش - وكان ذا سن فيهم - فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قول بعضكم بعضًا .. الخ.
وقد رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد -مولى زيد بن ثابت- قال الذهبي: لا يعرف. الميزان: (4/ 26) ، التهذيب: (9/ 433) .
(2) سورة المدثر: الآيات 11 - 25.
(3) الطبري: (29/ 156) ، تفسير ابن كثير: (4/ 442) ، القرطبي: (19/ 71) ، الدر المنثور: (8/ 329) وغيرها ..