الصفحة 60 من 583

يقول فيه الشاعر:

وزيد أبوكم كان يدعى مُجَمِّعا

به جمَّع الله القبائل من فهر [1]

وكان لحماية الله بيته من أبرهة وجيشه، وإهلاكهم بالصورة التي ذكرها الله في القرآن؛ أثر مضاعف في حرمة البيت، وقداسته عند العرب، ومن ثم في حرمة جيرانه وسدنته، وهذا جعل القرشيين يسيرون حيث شاءوا في بلاد العرب؛ آمنين من غارات السلب والنهب التي كان يشنها اللصوص، والصعاليك، وقطاع الطرق، حيث تحميهم القبائل، وتجيز قوافلهم، ومن ثم كانت رحلة الشتاء والصيف: إلى اليمن والشام، وهذا أنعش تجارة قريش، ودعم اقتصادها.

لهذا - ولغيره- كانت العرب تنظر إلى قريش نظرة تقديس وتعظيم وامتياز، وكانت قريش - من حيث الجملة- جديرة بهذه المكانة؛ لما منحها الله من الخصائص الفطرية، والميزات الذاتية. ويدل لذلك أن الإسلام جاء بدعم مكانة قريش، وحصر الخلافة فيها، وأن الله ذكرهم في القرآن الكريم بما أمتن به عليهم من هذا الحرم الآمن، حيث يتخطف الناس من حولهم، وأنه جعله مثابة للناس وأمنًا، وحرك أفئدة الناس تهوي إليه، وتجبى إليه ثمرات كل شيء، وأنه حفظه من الأحباش وغيرهم، وحفظ أهله به.

وكانت في قريش زعامات تحمي المظلوم، وتعين المحتاج، وتمنع الظالم، كما يظهر في حلف الفضول الذي عقد في دار (عبد الله بن جدعان) [2] .

ولذلك كله، فإن العرب كانت تتربص بإسلامها إسلام هذا الحي - من قريش- فلما رأت صدودهم عن الدعوة، وزرايتهم بها؛ انصرفت عنها، ولم تأبه لها - إلى حين-.

(1) البيت لمطرد بن كعب الخزاعي، انظر: التبيين في أنساب القرشيين، لابن قدامة المقدسي (ص37) ، وصبح الأعشى في صناعة الإنشا للقلقشندي (1/ 355) .

(2) هو: عبد الله بن جُدْعان: بضم الجيم وسكون الدال المهملة - من بني تميم بن مرة، وكان من رؤساء قريش، وصولًا للرحم، منفقًا، جوادًا، محبًا للسلام. انظر: المنمق لابن حبيب: (171 - 172، 464) ، وشرح النووي على مسلم: (3/ 87) ، وسيرة ابن كثير: (1/ 116 - 118) .

وانظر في خبر حلف الفضول: المنمق: (45 - 51، 217 - 222،335 - 344) ، سيرة ابن هشام: (1/ 140) .

وانظر الرواية في شهود النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف في المنمق أيضًا، وفي: تفسير الطبري، تفسير سورة النساء: (5/ 56) .

وقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال:"لا ينفعه؛ إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". كتاب الإيمان، 92 - الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل، رقم (365) ، (1/ 196) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت