الصفحة 59 من 583

ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) [1] " [2] ."

ومنذ هذا البلاغ انقسمت الدنيا إلى معسكرين: معسكر الكفر والشرك، ويقف فيه الناس كلهم: عربهم وعجمهم، ملوكهم وسُوقتهم، قريبهم وبعيدهم، والمعسكر الآخر: معسكر الإيمان، ويقف فيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ما معه فيه إلا حر وعبد وغلام وامرأة [3] ! - ممن ضحوا في سبيل الدين بالغالي والنفيس-، وكفى بهذه غربة.

ومن البدهي أن المشركين من قريش، وأهل مكة خاصة؛ كان لهم دور كبير في حجب أنوار الدعوة عن الآخرين، وهذا ما سأعرض له في السبب الخامس.

خامسًا: التأثير البالغ لموقف قريش على العرب:

فلقد كان لموقف قريش الرافض للدعوة أثر عظيم في امتناع سائر العرب

عن قبول الدعوة، حتى ولو لم تبذل قريش أي جهد في مقاومة الدعوة وتشويه صورة الداعية في نفوس الناس؛ لأن الناس كانوا يتطلعون إلى موقفها وينتظرون قرارها، وذلك لأسباب منها:

(أ) مكانة قريش في نفوس العرب، فقد كان العرب يعظمون أهل بيت الله، ويمنحونهم الإجلال والإكبار؛ لقيامهم على البيت، ووفائهم بما يحتاجه قصاده من الطعام والشراب وغيره، وتسابقهم في ذلك، وتنافسهم عليه.

وكان لقصي بن كلاب دور عظيم في ترسيخ هذه المكانه، وتعميق جذورها حيث جمع قريشًا في مكة، ووطد مكانتها، وانتزع سدانة البيت من جرهم بعد حروب طاحنة، واختط لقريش خطة الشرف والسيادة؛ ولذلك

(1) سورة المسد: الآيتان 1، 2.

(2) رواه البخاري في: 61 - المناقب، 13 - باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية: (4/ 161) .

وفي: 65 - كتاب التفسير، سورة الشعراء، 3 - قوله: وأنذر عشيرتك الأقربين، (6/ 16) .

وفي: 65 - كتاب التفسير، سورة تبت يدا أبي لهب وتب (6/ 94) .

ومسلم في: 1 - كتاب الإيمان، 89 - باب في قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين، رقم الحديث - (355) ، (1/ 193) .

والإمام أحمد في مسنده: (1/ 307) .

والطبري في التفسير - تفسير سورة تبَّت: (30/ 336 - 337) .

والبيهقي في دلائل النبوة، باب ما رد أبو لهب على النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 181) .

وأبو عوانة في: الإيمان - بيان أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (1/ 92) .

وله شواهد منها:

1 -عن أبي هريرة: رواه البخاري في (3/ 190) ، (4/ 161) .

وفي: التفسير: (6/ 16) . ومسلم في: (1/ 193) ، والنسائي في ... (6/ 248 - 250) ، والدارمي في: (2/ 215) ، وأبو عوانة في) 1/ 93 - 95).

2 -عن عائشة: رواه أبو عوانة في: (1/ 95) .

3 -عن قبيصة بن مخارق، وزهير بن عمرو، والأشعري، عند أبي عوانة أيضًا.

(3) سيأتى تفصيل ذلك في الفصل الثاني - من هذا الباب - المتعلق بمظاهر الغربة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت