الصفحة 58 من 583

نعم، قالوا: فينا اللواء، قلنا: نعم، قالوا: فينا السقاية، قلنا: نعم. ثم أطعموا، وأطعمنا، حتى إذا تحاكّت الركب قالوا: منا نبي! فلا والله لا أفعل [1] !.

وهكذا ينكشف الغطاء، وينجلي الأمر!.

فالقضية في حسّ أبي جهل وأضرابه هي صراع قبلي على الشرف والسيادة، وقد استأثر فيها بنو قصي بالحجابة، والسقاية، والندوة، واللواء .. فلا يمكن أن يستأثروا بالنبوة؛ لأن معنى ذلك أن تنقاد لهم قريش؛ بل العرب كلها.

ويشبه هذه القصة خبر استماع أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق للقرآن ليلة بعد ليلة، فلما أصبح الأخنس أتى أبا جهل، فقال له: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء! فمتى ندرك هذه؟! والله لا نسمع أبدًا، ولا نصدقه، فقام عنه الأخنس بن شريق [2] .

لقد كانت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم صعبة عسيرة في وسط كهذا الوسط القبلي الذي يحتفل كل الاحتفال بالمركز العائلي، وتتنافس فيه القبائل تنافسًا مريرًا على الشرف والسيادة.

فالأقربون لا يتبعونه لأنه ليس من المشيخة الأكابر، وغيرهم لا يتبعه لأنه ليس من البطن، والقبيلة.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ) [3] صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فهر، بابني عدي، لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب، وقريش فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم.

(1) رواه يونس بن بكير في زوائده على السير والمغازي لابن إسحاق، باب أحاديث الأخبار وأهل الكتاب، بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ص (210) .

ومن طريقه رواه البيهقي في دلائل النبوة، باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله تعالى من الإعجاز .. (2/ 207) .

من طريق هشام، عن زيد بن أسلم، عن المغيرة.

ويونس بن بكير: صدوق. انظر: التهذيب (11/ 434) ، التقريب: ص (613) ط: محمد عوامة.

وهشام بن سعد، صدوق له أوهام، ومخالفته للثقات لا تحتمل، لكن قال عنه أبو داود:"أثبت الناس في زيد بن أسلم"وروايته هاهنا عن زيد بن أسلم. انظر: التهذيب (11/ 39) ، والتقريب (2/ 318) .

وزيد بن أسلم: ثقة عالم. انظر: التهذيب (3/ 395) ، التقريب: (1/ 272) .. فالحديث - بهذا الإسناد - حسن.

(2) رواه ابن إسحاق، كما في سيرة ابن هشام (1/ 337) ، قصة استماع قريش إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم قال: حدثنى محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري أنه حدّث .. ، وهو في السير والمغازي ص (189) .

ومن طريقه البيهقي في الدلائل، باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله تعالى من الإعجاز .. (2/ 206) .

فهو من مراسيل الزهري، قال أحمد بن سنان: كان يحيى بن سعيد لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: هو بمنزلة الريح ...

ولكن يشهد لمعناه الحديث السابق قبله.

(3) سورة الشعراء: آية 214.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت