آية أخرى: (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا) [1] .
إذًا، فهؤلاء المستكبرون يرفضون -أصلًا- طاعة بشر مثلهم، شأن المكذبين من الأمم الأخرى الذين يقولون: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) [2] .
وإذا جاء هذا الرسول من البشر فهلاّ كان من علية القوم، ومشيختهم، وأصحاب الرئاسة فيهم، حتى يكون -عندهم- جديرًا بأن يُتبع، ويُطاع؟! وهذه لا تعدو أن تكون تَعلاّت يتعلّل بها المعرضون المكذبون، ويدفعون بها الحق الذي يحمله الرسول.
ولذلك تجد المعارضين للدعوة، المنتسبين للبطن الذي ينتسب إليه الرسول عليه الصلاة والسلام يحتجون بعدم كون الرسول صلى الله عليه وسلم شيخًا ذا رياسة وتقدم فيهم، والمعارضين من البطون الأخرى يرفضون الدعوة حماية لمركزهم ومنافستهم، والمعارضين من القبائل الأخرى يرفضونها حفاظًا على مكانة قبيلتهم، وأنفة من اتباع فرد من قبيلة أخرى!.
عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال:"إن أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل:"يا أبا الحكم، هلمّ إلى الله وإلى رسوله، إني أدعوك إلى الله، فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منتهٍ عن سبّ آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت؟ فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حقًّا ما تبعتك!.
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل عليَّ فقال: والله إني لأعلم ما يقول حق، ولكن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا الندوة، قلنا:
(1) سورة الفرقان: آية 21.
(2) سورة المؤمنون: آية 34.