الفصل الثاني
مظاهر الغربة الأولى
إن استقصاء الأحداث والوقائع والمظاهر التي تمثَّلت فيها غربة المسلمين الأوائل منذ فجر الدعوة، وإلى أن أذن الله بنصرها، وقيام دولتها؛ أمر يطول، ولكن يمكن الاقتصار على نماذج وأمثلة لصور الغربة العامة التي تمثلت فيها. وأشير إلى أن الغربة تكون على نوعين:
الأول: غربة خاصة، وأعني بها غربة بعض المؤمنين في بعض البلاد أو المواضع؛ لأسباب وظروف خاصة.
وهذه الغربة لا يمكن القول بأنها زالت أو تزول؛ بل هي باقية حتى بعد استقرار شأن الإسلام وقيام دولته؛ لأن لها أسبابها الخاصة، فيمكن أن توجد بوجود أسبابها.
ومن صور هذه الغربة ومظاهرها الواضحة بقاء النجاشي (أصحمة) [1] مَلك الحبشة الذي آوى المسلمين في بلاده، وعدم هجرته إلى الله ورسوله، مع أن من الثابت أنه آمن بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم، وشهد شهادة الحق، وعرف أن النبي محمدًا عليه الصلاة والسلام هو النبي الذي بشَّر به عيسى عليه السلام.
وقد مات النجاشي في بلده دون أن تكتحل عينه وتقر برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ودون أن ينال شرف الصحبة -الذي هو منقبة جليلة لا يخفى قدرها-.
وقد نعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه في اليوم الذي مات
(1) هو: أصحمة بن أبجر، واسمه بالعربية: عطية، والنجاشي لقب له، مات سنة تسع وقيل قبل ذلك.
انظر: الإصابة: (1/ 177) .