رابعًا: أنهم لا يتزحزحون عن إرادة الإصلاح، ولا يُقَصِّرُون في طلب هذا الإصلاح دعوةً إلى الله تعالى، وسلوكًا إليه، ونصرة لدينه بكل ما يستطيعون، وما توفيقهم في هذا الأمر إلا بالله سبحانه كما قال شعيب - عليه السلام: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} ، والتوكل والإنابة كما ذكرنا من قبل.
ويقول لهم شعيب - عليه السلام - كذلك فيما ورد عنه: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} (89) سورة الأعراف
وسيدنا شعيب - عليه السلام - هو خطيب الأنبياء؛ وهذه الكلمات الجميلة القوية التى قالها تبين ملامح الدين والدعوة إلى الله تعالى وعواقبها، وتبين ما يتعلق بها من أولها إلى آخرها، وقد اكتملت فيها كل ملامح وأصول الدعوة إلى الله تعالى؛ سواء أكانت في الداعى، أو من يدعوهم إلى الله تعالى، أو في وسائل الدعوة، أو في الدعوة نفسها والثبات عليها، إذ هى دعوة التوحيد. وهذه الآية تثير التساؤل لمن يقرأها: وهل كان سيدنا شعيب - عليه السلام - على مِلَّتِهم؟ ألم يقل: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا}
وإلا فكيف يقول سيدنا شعيب - عليه السلام - هذه المقولة؟ لا لم يكن شعيب - عليه السلام - في مِلَّتِهم، بل كان خطيبَ قومه فهو يتكلم بلسانهم. فلم يكن شعيب - عليه السلام - كافرًا، ولم يبعث الله نبيًا كان على الكفر أبدًا، ولكنه - عليه السلام - كان المتحدث باسم الذين آمنوا، يتحدث بلسانهم، فيقول للكفار: لا يجوز لهؤلاء أن يعودوا في ملتكم وقد نجاهم الله منها.