الصفحة 18 من 147

ويجعل حركة العلماء المسلمين أقرب الحركات والقيادات إلى النفوس ولكنها -حسب رأيه- ما لبثت أن انحرفت منهجيًا عن أهدافها، وأعطت القيادة للانتهازيين السياسيين في سنة 1936م في المؤتمر الجزائري الإسلامي، فأخفق المؤتمر ودب الشقاق في صفوف الجمعية، كأن مركب النقص هو الذي جعلهم يسلمون الزعامة لرجل اللغة الأجنبية، فسايروا قادة السياسة في تلك الفترة، ظنًا منهم أنهم سيحمونهم ويدفعون عنهم شر الحكومة الفرنسية، باعتبار أن التغيير الاجتماعي الذي يبدأ في تغيير النفس هو الأساس في المشكلة لا الذهاب إلى باريس، والتعلق بسراب ووعود الجبهة الشعبية، وهذا ما تأكد لهم فيما بعد، حيث عبر ابن باديس عن ذلك بوجوب الاعتماد على أنفسنا والاتكال على الله (آثار ابن باديس، ص68) .

ويوجه مالك من ناحية أخرى نقدًا للحركة الإصلاحية في العالم الإسلامي بشكل عام، التي وإن أخذت بفكرة الإصلاح الديني، الذي يعتبر نقطة انطلاق في كل تغيير اجتماعي، إلا أنها ابتدأت بمرحلة علم الكلام، وتخطت المرحلة الأخلاقية التي تؤدي إلى أول تغيير للقيم الاجتماعية، فهذا يعتبر مزلقة لا تؤدي إلى الوعي بقدر ما تؤدي إلى علم الجدليات، لكنه يستثني حركة الإصلاح في الجزائر، ويعود الفضل في ذلك إلى شخصية الشيخ ابن باديس في بداية الأمر، حيث كانت الحركة تنطوي على جذوة روحية، لكن ما لبثت أن أضحت تكوّن متخصصين بارعين أكثر مما تعمل على تكوين دعاة مخلصين (آثار ابن باديس، ص69) .

وأعتقد أن مثل هذه النظرات النقدية القويمة، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا حول بعض جوانبها، تمثل ظاهرة صحة، وتشكل علامات مضيئة على الطريق، حتى لا نقع بالخطأ نفسه، فنستفيد من الخطأ لنتجنبه، كما نستفيد من الصواب فنتلمسه، خاصة وأن أخطاءنا تتكرر اليوم على الجغرافيا نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت