فهرس الكتاب
لقد سيطرت الطرق الصوفية على الفكر الإسلامي والمجتمع في القرن التاسع عشر سيطرة مذهلة، فبلغ عدد الزوايا في الجزائر 349 زاوية، وعدد المريدين أو الإخوان 295.000 مريدًا.. والفقهاء الذي عرفوا بمعارضتهم الصوفية، أصبحوا بدورهم (طرقيين) ، فساد الظلامُ، وخيّم الجمود، وكثرت البدع، واستسلم الناس للقدر، بمفهومهم المتواكل، وأصبحوا إذا سئل أحدهم عن حاله، أجاب: (نأكل القوت ونستنى' الموت) .. وهذه الظاهرة الاجتماعية أدت إلى تعطيل الفكر، وشل جميع الطاقات الاجتماعية الأخرى (انظر: ابن باديس حياته وآثاره، جمع ودراسة الدكتور عمار الطالبي، ص18) .
ولقد لخص الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله ذلك بقوله: أما ابن باديس، فقد جاء في فترة جددت فيها النزعة الصوفية، وهنا موضع الخطورة، ذلك أن الحلقة لم تُستأنف بالفقه والرباط، بل بالتميمة والزاوية.
ويرى الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله أن الشيخ عبد الحميد بن باديس قد قام بتلك الثورة الفكرية على أحسن وجه، وبدد ما كان مخيمًا على الجزائر من تقاليد ثقيلة تتمثل في تلك الطرق الجامدة المخدرة للشعب (ابن باديس، حياته وآثاره، ص9) .
وقد يكون من المفيد أن نثبت رؤية الأستاذ الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله للواقع الذي بدأ العملَ فيه الشيخُ ابن باديس وجمعيةُ العلماء، يقول واصفًا الحال التي عليها الناس: (فهذا يرنوا إلى المذهب الكمالي... وذاك ينزع إلى التمدن الغربي، ومنهم من انحدر إلى مذهب المادة... ونرى من بين هؤلاء وأولئك عمائم الإصلاح تدلنا على منهاج آخر، يقوم على عقيدة صحيحة، ورجوع إلى السلف الصالح، وتغيير ما بالنفس من آثار الانحطاط) . (آثار ابن باديس، ص67) .