الصفحة 49 من 147

عاد ابن باديس سنة 1912م إلى الجزائر، وكّله عزم على بعث نهضة علميّة جديدة يكون أساسها الهداية القرآنية والهدي المحمّدي، والتفكير الصحيح، فانتصب يُحْيِي دوارس العلم بدروسه الحية في الجامع الكبير بقسنطينة، عائدًا بالأمة المحرومة إلى رياض القرآن المونقة، وأنهاره العذبة المتدفقة، وأنواره الواضحة المشرقة.

ورغم ما للمفتي الشيخ المولود بن الموهوب من سبق في هذا الميدان، وجولات ضد البدع والانحراف، إلا أن الذي يحدث عادة بين الأقران من تنافس، دفعه للتصدّي لابن باديس، ومنعه من التدريس بالجامع الكبير، فتحوّل هذا الأخير إلى الجامع الأخضر للتدريس به، بعد توسّط والده لاستخراج إذن بذلك.

وفي موسم الحج لعام 1913م ارتحل ابن باديس إلى الديار المقدسة، لأداء هذا الركن، فالتقى هناك بأستاذه الأول الشيخ حمدان الونيسي، وكذلك التقى بعالم الهند الكبير الشيخ حسين أحمد المدني، كما التقى في المدينة المنورة بالشيخ البشير الإبراهيمي.

وقد ألقى الشيخ ابن باديس خلال الأشهر الثلاثة، التي قضاها هناك، دروسًا عديدة في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم.. وأثناء عودته إلى الجزائر طاف بعدّة بلدان عربية، فزار سوريا ومصر، التي التقى فيها بالشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ أبي الفضل الجيزاوي.

وقد تميّزت هذه الرحلة بالنسبة للشيخ ابن باديس بحدثين هامين، كان لهما الأثر الكبير في توجهه ومستقبل عمله:

الحدث الأول: هو التقاؤه بالشيخ أحمد الهندي، الذي نصحه بالعودة إلى الجزائر وخدمة الإسلام فيها والعربية بقدر الجهد، فحقق الله أمنية ذلك الشيخ بعودة ابن باديس إلى وطنه، وتفانيه في خدمة الدين واللغة، إلى أن تكوّنت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان أول رئيس لها، ثم واصل رفاقُ دَرْبِه المسيرةَ من بعده.

الحدث الثاني: هو التقاؤه بالشيخ محمد البشير الإبراهيمي، رفيق دربه في الذّود عن الإسلام ولغة الإسلام في الجزائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت