فهرس الكتاب
فكانت لقاءات المدينة المنورة التي جمعت بينهما، هي التي وُضعت فيها الخطط العريضة لمستقبل العمل في الوطن، وحُددت فيها الوسائل التي تنهض بالجزائر نهضة شاملة، تهتك أستار الظلام، الذي فرضه المستعمر على الأمة، عقودًا طويلة من الزمن.
هذه باختصار ملامح من البيئة التي نشأ وترعرع فيها ابن باديس، وحتّى تزداد الصورة وضوحًا، لابدّ لنا من التعرف على شيوخه الذين تربّى على أيديهم وأخذ عنهم العلم والمعرفة، وهو ما سنتعرف عليه في المبحث القادم إن شاء الله.
المبحث الثالث: شيوخ ابن باديس
يُرجِع ابنُ باديس الفضلَ في تكوينه العلمي إلى والده، الذي ربّاه تربية صالحة، ووجّهه وجهة سليمة، ورضي له العلم طريقًا يتبعه، ومشربًا يَرِدُهُ، ولم يشغله بغيره من أعباء الحياة، فكفله وحماه من المكاره صغيرًا وكبيرًا.
وكان أول معلّم له هو الشيخ محمد بن المدّاسي، أشهر مقرئي مدينة قسنطينة في زمانه، تلقى عليه القرآن فأتقن حفظه وتجويده.. أما أستاذه الذي علّمه العلم، وخط له مناهج العمل في الحياة، ولم يبخس استعداده حقّه، فهو الشيخ حمدان الونيسي: العالم العارف، الذي استطاع أن ينفذ إلى نفسية تلميذه، فيطبع حياته العلمية والعملية بطابع روحي وأخلاقي لم يفارقه طول حياته.
وقد ظل ابن باديس يذكر تأثير شيخه على نفسيته، فيقول عنه: إنه تجاوز به حد التعليم المعهود من أمثاله، إلى التربية والتثقيف والأخذ باليد إلى الغايات المثلى في الحياة.
وفي جامع الزيتونة أخذ ابن باديس العلم عن المبرزين من الأساتذة والشيوخ، الذين كان لهم بالغ الأثر في تكوينه الفكري واتجاهه الإصلاحي، نذكر منهم على الخصوص: