فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 40

وانظُر إذا هو قد أقبل عليك سبحانه وتعالى إلى ما تكون فيه من الحِفظ والاستقامة والتوفيق والسَّداد، وما تكون فيه من حُبٍّ للآخرة، وزهدٍ في الدنيا، وإقبال على الله تعالى. لأنه قد أقبل عليك، فإذا أقبل عليك ماذا تريد بعد ذلك؟!

ومن هنا علمتَ أنَّه لم يُقْبِل عليك الإقبالَ الذي تثبت به، والإقبالَ الذي تترقى به، والإقبال الذي يحبُّه سبحانه وتعالى، فتكون محبَّتُه أحبَّ إليك من كل شيء، ويكون تقربك إليه أولى عندك من كل شيء. بل أنت ... لم تُقْدِم هذا التقدم الذي لو قدمته سبحانه وتعالى وجدت عاقبة ذلك في حالك المتدهور، وفي أحوالك السيئة التي تُعاني وتشتكي منها، والتي لم تحاول أن تجاهد نفسك على تغييرها.

«قُمْ إِلَىَّ أَمْشِ إِلَيْكَ» لذلك أمرك أن تقوم, فكأنه يخبر في هذا الحديث أن المرء لم يقم بعد، بل ما زال مُخْلِدًا إلى الأرض ... ما زال مربوطًا بشهواته ونزواته ... مُقيَّدًا بمعاصيه وذنوبه ... كلما أراد أن يقوم قيَّدته معاصيه وشهواته، وجذبته إلى الأرض.

ويُبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طريق المجاهدة في حديث آخر عندما قال ربيعة بن كعب - رضي الله عنه - للنبي - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قال له: «سَلْ. فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ , قَال: َ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» [1] .

فبكثرة السجود يصل المرء إلي هذه الأشواق العالية من مصاحبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجنة , ولا تتأتى هذه الأشواق العالية من هذه الأماني التي نحن فيها، ولا من هذا التسويف الذي يقوله المرء: «غدًا إن شاء الله! عندما يأتي رمضان ... عندما يأتي شوال ... عندما يأتي العشر ... عندما انتهي من هذا الشُّغل ... عندما أُنهي فترة التجنيد ... عندما أنتهي من الدراسة ... عندما انتهي من مشكلة الزواج ... عندما أرجع من السفر .. »

وكأنَّ المرء يملك قلبه! وكأنَّه يملك عمره! من الذي يملك قلبه ... أو عُمْره؟!

واعلم أن مجاهدة النفس حال مشقة العبادة درجتها عالية، وأنها - أي العبادة- كلما شَقَّت عليه زاد ثوابها، وكلما شقت عليه العبادة احتاج إلى هذه المجاهدة. وهذه المجاهدة هي التي نفتقدها اليوم.

لذلك يبدو أننا في هذه الأحوال لم نتحرك شبرًا ولا ذراعًا ولا شيئًا، بل لم نقم من مكاننا الذي نحن فيه إلى الله تعالى، ومَنْ حاول أن يقوم رجع مرة أخرى فجلس واستكان واطمأن إلى ما هو فيه من الحالة السيئة التي يقاومه فيها نفسه وشيطانه وهواه، ويصعب عليه بعد ذلك أن يقوم لله تعالى.

والله -جلَّ وعلا- إذا فتح لك بابًا مِن أبواب الطاعة، فرددته ولم تعبأ به أنَّى يفتح ذلك مرة أخرى؟!

وهذا هو سبب الحرمان الذي نحن فيه، أن المرء لا يجاهد نفسه، وتراه يجاهد نفسه على الدنيا، ويحملها ويسافر بها، ويُتْعِبُها، ويشقى بها، ويسهر بها، ويتعارك لها، ويتطاحن فيها؛ ليحصل زائلًا، وربما لم يُحَصِّله، وإذا جاءت الآخرة أخذها بهذا الضعف وهذه الاستكانة، وهذا النوم وهذا الكسل، وكأنه لن يرحل إلى الله! وكأنه لن يقف لرب العالمين! وكأنه لن يُسأل ولن يُحاسب! وكأنَّه لن يتعرض لأحوال كلها مِحن وكروب لا يستطيعها أحد، وفوق ما يتحمله طاقة النَّاس {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6] .

رفع الأعمال حال الصوم أدعى للقبول:

وهنا معنى جديد في قوله: (( تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ) )؛ ورفع الأعمال إلى رب العالمين: على ثلاثة أنواع: يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النَّهار، ويُرفع إليه العمل يوم"الاثنين"و"الخميس"، ويرفع إليه العمل في شهر"شعبان"خاصةً.

فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأعمال تُرفع إلى الله تعالى رفعًا عامًا كل يوم , قال - صلى الله عليه وسلم: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ- كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ» [2] .

ثم ترفع كل أسبوع يوم"الاثنين"و"الخميس"تُرفع كذلك الأعمال إلى الله، ثم الرفع في"شعبان"بالذات وهو رفع مهم، وهو الرفع الثالث الذي تُرفع فيه الأعمال، وتُعرض على الله تعالى، وانظر إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحالة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (( تُرفع فيه الأعمالُ إلى رب العالمين, فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) ))

(1) أخرجه مسلم (489) من حديث ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه -.

(2) أخرجه البخاري (5927) ، ومسلم (1151) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت