فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 40

وهذا يحمل المؤمنين على أن يستمسكوا بالله تعالى وأن يعتصموا بالله تعالى، وبِسُنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن يَزيدوا من بذلهم. فكلما زاد ذلك في مثل هذه الأيام كان الأجرُ الحسن هو الذي ينتظرهم عند الله تعالى وهو أجر الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وكفى بذلك شرفًا وفخرًا أن يُحَصِّل المرء ذلك.

مجاهدة النفس والاستضاءة بأنوارها علاجٌ للمرء الذي قد كثرت غفلته، واستراح إلى النوم والدعة والسكونِ، وإعطاءِ النفس حظها من الراحة. فإذا تعارضت الصلاة مع النوم فَيُقَدِّمَ النوم. أو أن يتعارض الصيام مع شهواته وأكله وشُرْبِهِ، ومَيْل نفسه إلى حطام الدنيا، فيُقدِّم شهواته. ونزواته وحظ نفسه على ذلك. أو يتعارض أُنْسُه بالله وذكره له مع أنسه بالخلق والغفلة فيقدم الغفلة.

وشفاء ذلك المسكين إذا ما جاءته أيام البركة أن يستعنْ بالله - عز وجل - وليبدأ تائبا راجعا بقلبه إلى الله تعالى سالكا طريق المجاهدة واضعا نصب عينيه قول الحق - سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] . ليُحصل ذلك الفوز وتلك الهداية وهذه المعية.

وبذلك تنحل قسوةُ قلبه وضعفُ بدنه ودناءةُ همته، فيرى طريقه منيرا ... إلى الله تعالى موفقا بعد ذلك في رمضان , وهذا هو حديث المجاهدة؛ يقول الله - عز وجل - في الحديث القدسي:

«وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْه، ِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِه، ِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِه، ِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ, وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» [1] .

و هذا الحديث يُبَيِّن الواقع الذي نحن فيها؛ لأنَّ المرء يسمع هذا الكلام، ولم يتحقق بشيء منه، مَنْ الذي كان له ربه سبحانه وتعالى يده وسمعه وبصره - على طريقة اعتقاد السلف - وصار إلى الحالة التي إذا دعاه استجاب له، وإذا استعاذه أعاذه سبحانه وتعالى؟

وهذا المقام لا يتأتى إلا بعد أن يُتْقِن فرائضه، ثم بعد ذلك يجاهد نفسه على التزود من تلك النوافل؛ فلا يُبقى في وقته، ولا جُهده ولا ماله، ولا صدقته مجالٌ إلا وقد جاهد فيه نفسه، وتقدَّم فيه إلى الله تعالى بكل ما يستطيع كما قال المولى - سبحانه وتعالى: «إِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا» [2] .

وهذا الحديث يشير إلى تقدم السير إليه سبحانه"الشِّبر والذِّراع والباع"، لا يتكلم الحديث عن الواقع المؤلم الذي نحن فيه وهو: التأخر، والتردد، والتشكك، والنوم، والدعة، والكسل والسكون إلى ما هو فيه من الحالة السيئة، وإنما هو في تَرَقٍ مستمر إلى الله تعالى؛ ينتظر هذا الجزاء «وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» [3] ، «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِه، ِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِه، ِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» [4] .

لذلك قال: «إِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا» [5] .

فهذا إذًا شهر المجاهدة التي نسمع عنها، والتي نذكرها، ونكررها، والحال كما هو، لا يستقيم على العبادة.

وهذا يُبَين أنك ما مشيت الشِّبر ذلك إلى الله، بل إنك لم تقم إليه أصلًا كما قال في الحديث الآخر: «يَا ابْنَ آدَمَ: قُمْ إِلَىَّ أَمْشِ إِلَيْكَ» [6] .

وكأنها الحال التي نحن فيها وهي: حال «قُمْ إِلَىَّ أَمْشِ إِلَيْكَ» إذا بك لم تقم فعلًا! مَنْ الذي قام فمشى إليه؟ ولو مشى سبحانه إليه لتَغيَّر حاله: «قُمْ إِلَىَّ أَمْشِ إِلَيْكَ» [7] ..

(1) أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(2) أخرجه البخاري (7536) ، ومسلم (2675) من حديث أنس - رضي الله عنه -.

(3) أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(4) أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.

(5) أخرجه البخاري (7536) ، ومسلم (2675) من حديث أنس - رضي الله عنه -.

(6) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 478) , قال المنذري في الترغيب (ح:4771) :"رواه أحمد بإسناد صحيح"

(7) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/ 478) , قال المنذري في الترغيب (ح:4771) : رواه أحمد بإسناد صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت