فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 40

«لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟! قَال: َ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» [1] .

فأجر هؤلاء الذين يتفردون بطاعة الله تعالى في هذه الأيام التي تكثر فيها الغفلة، وتزداد فيها الفتنة أجرهم يزداد على حسب مشقة هذه الأعمال على نفوسهم، وعلى حسب ثِقَل هذه الطاعات على قلوبهم وأبدانهم، وعلى حسب ما يتحملون من تلك المشقة، ومن هذه الصعوبة، ويبذلون حتى يحققوا أقصى عبادة يمكن أن يحققوها -. «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» . يعني: الذين يعمل العمل الصغير في مثل هذه الأيام -من أيام الغفلة- التي لا يساعده فيها أحد يُحَصِّل أجر خمسين من أعمال الصحابة ..

ليس ذلك معناه أنَّ أحدًا سيعمل كأعمال الصحابة، لا، وإنما العمل الواحد يوازن ذلك، أما أن يُحَصِّل مجموع عمل الصحابي .. فلا يحصل أحدٌ بعدَهم تلك الدرجة لصحبتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -.

لذلك كان يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «أنتم تجدون على الخير أعوانا، وهم لا يجدون على الخير أعوانا» -.

ولذلك أيضًا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ, - قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: وَمَنْ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاس» [2] .

فإذا كثر الفساد، وَعَمَّ البلاء، هؤلاء الغرباء الذين يُحسنون ويصلحون طوبى لهم.

فتفطن المؤمنون إلى أنه كلما تعبدوا لربهم في أوقات الغفلة، وازدادت عبادتهم، وازداد تمسكهم بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووجدوا في ذلك مشقةً ... على نفوسهم، وصعوبةً على أبدانهم، وكذلك وجدوا هذا الكلال الذي يمكن أن يتحملوه في سبيل قُربهم مِن ربهم، وعبادتهم لله تعالى، فإنَّ أجورهم تزداد عند الله تعالى، وإن درجتهم ترتفع عند الله تعالى، وإن الله -جل وعلا- بكرمه وَمَنِّهِ يُجْزِلُ لهم المثوبة سبحانه وتعالى ويَزيد لهم في الأجر الذي يفرحون به عندما يلقون الله تعالى. هذا المعنى يُخَفِّف على المرء الطاعاتِ الْمُستَثقَلة هذه الأيام، وهذه القُرُباتِ الشَّاقة على النفس في مثل تلك الأحوال. وإن كانت الطاعة لا مشقة فيها بل هي نعيم الروح ولذة النفس وبهجة القلب وقرة العين.

لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» [3] .

فإذا كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قد فازوا بهجرتهم إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ إيمانًا بالله تعالى وتسليمًا له، وتركًا للأهل والمال والوطن والديار، فإنَّ الله تعالى قد فتح للمؤمنين كذلك في أيام الفتنة هذا الباب الذي يشابهون به أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة إليه.

فالعبادة في الفتنة كالهجرة للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن النَّاس في هذه العهود قد عادت إلى أهوائها، وعادت إلى اتّباع شهواتها ونزواتها كعادة أهل الجاهلية، فمن خرج منهم إلى عبادة الله تعالى، والاستقامة على أمره، والثبات على دعوته سبحانه وتعالى كان حاله كحال من هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك الجاهلية وأهلها.

(1) رواه أبو داود (4341) عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - مرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , وصحح لغيره المتنَ المذكور الشيخُ الألباني في صحيح الترغيب (3172) .

(2) رواه الآجري في (( الغرباء ) )من رواية عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - , وأخرجه الإمام أحمد بنحوه في مسنده (1/ 184) من رواية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه, قال الشيخ شعيب في التحقيق: إسناده جيد, وأبو يعلى (2/ 99) , ورواه الإمام مسلم في صحيحه (145) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ مختصرا مرفوعًا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولفظه: «بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا, وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا, فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» . قال الإمام النووي في شرح مسلم: أَمَّا مَعْنَى (طُوبَى) فَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى:

{الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ} فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ فَرَح وَقُرَّة عَيْن. وَقَالَ عِكْرِمَة: نِعْمَ مَا لَهُمْ. وَقَالَ الضَّحَّاك: غِبْطَة لَهُمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: حُسْنَى لَهُمْ. وَعَنْ قَتَادَةَ أَيْضًا مَعْنَاهُ أَصَابُوا خَيْرًا. وَقَالَ إِبْرَاهِيم: خَيْر لَهُمْ وَكَرَامَة: وَقَالَ اِبْن عَجْلَان: دَوَام الْخَيْر. وَقِيلَ: الْجَنَّة. وَقِيلَ: شَجَرَة فِي الْجَنَّة. وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال مُحْتَمَلَة فِي الْحَدِيث. وَاَللَّه أَعْلَم. انتهى.

(3) أخرجه الإمام مسلم (2948) من حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت