فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 40

-لذلك يقول الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251] ، يعني: لولا أن يدفع الله -تبارك وتعالى- بالمؤمنين عن غيرهم لنزل بهم البلاء، وقد علمتم أنَّ الله -تبارك وتعالى- يحفظ بالرجل الصالح أهله وولده والنَّاس مِن حوله.

نزلت الملائكة لقرية ليخسفوا بها، فوجدوا فيها رجلًا قائمًا يصلي، فرفعوا عنهم البلاء. وأصل هذا القَصَص في كلام الله تعالى، يقول الله سبحانه في حفظ مال الغلامين: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82] ، ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي. فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» [1]

يعني: أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمان للأمة، ومَن بَعدَهُم كذلك كلَّما كان فيهم صالحٌ من الصالحين إذا بالله تعالى يجعله أمنةً لهم، وحفظًا لهم بما يُقَدِّمُ لله تعالى من العمل الصالح ... بما يَرفع إلى الله تبارك وتعالى من الدعاء ... بما يُرفع له مِن الذِّكر والقيام ... بما يرفع له من الصيام ... وبما يُرفع له من النصيحةِ، والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، والعلمِ النافعِ والعمل الصالح، والسعي في مصالح المسلمين، والقيامِ عليها .. والدعوةِ إلى الله تعالى والجهادِ في سبيله.

كل ذلك يرتفع إلى الله تعالى، فإذا به يدفع البلاء عن المؤمنين. {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147] .

-فها قد فتح الله -تبارك وتعالى- شهر"شعبان"ليتحمل المؤمنون مسئولياتهم، وليعلموا حجم هذه المسئولية وضخامتها وهم يرون أن ما نزل بغيرهم من البلاء قد تحققت أسبابه فينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولولا أنه ثمة إيمانٌ موجود، أو لوجود بعض أهلِ الإيمان يرَحِمَ الله تعالى بهم البلاد والعباد لَنَزَلَ بهم ما ساءهم، وَلَنَزَلَ بهم ما نزل بغيرهم.

لا بُدَّ إذن - أن يسارع المؤمنون بالتحقق بتلك الأسباب، وأن ينتهزوا هذه الأيام التي لا مرد لها مرة أخرى، ولا رجوع؛ قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] , يسأل الرجوع وقد حيل بينه وبين ذلك.

فقد فتح الله لك بابًا من أبواب الطاعة فاسلكْه لتتقرب إليه به، واعلم أنه تكفل لك سبحانه وتعالى بالعاقبة. طالما فتح لك هذه القربات ستأتي هذه العواقب كلُّها حميدة، لأن الله -تبارك وتعالى- قال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق:2] .

ذلك المخرج لابد أن يحدث للمتقين المؤمنين، وهذا مما يُخفف على المرء، ويُعَلِّمَه التوكل على الله تعالى، وأن يُسارِع إلى الطاعة والمغفرة، وأن يتسابق فيها، ولا يُهِمَّه ما يمكن أن يترتب على ذلك؛ لأنه يعلم أنه لن يترتب إلا الخير ... لن يترتب إلا العاقبة الحسنة له ... لن يترتب على ذلك من الله جل وعلا- الذي هيأه لذلك - إلا كل توفيق وسداد، لا يخاف؛ لأن الأمور بيد الله، وأنه {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] . [2]

الفائدة الثالثة: تحصيل الأجور المضاعفة:

- «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [3]

ونشير إلى معنًى آخر من المعاني المهمة وهو:

أن غفلة النَّاس تجعل هذه الطاعات شاقة على النفس؛ لأنه إذا ما كثر الطائعون لله تعالى فإنَّ النَّاس كُلَّهم يألفون الطاعة في"رمضان". ففي رمضان كل الناس صائمون، وكلهم متعاونون على هذا الأمر من أوامر الله تعالى، وكلهم لوجود الطائعين الصائمين القائمين يتأسَّون بهم، ويسيرون ورائهم، ولا يُحسِّون بمشقة الصيام، ولا بمشقة القيام. أما إذا جاءت أوقات الغفلة، وتفرَّد المرء بالطاعة كانت شاقة على نفسه وصعبة عليه؛ لأنه لا يجد مَن يتأسى به.

لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في هؤلاء المتعبدين في أيام المحنة، أو في أيام الفتنة، أو في أيام عدم وجود الطاعة والعبادة من النَّاس لله تعالى, - قال:

(1) أخرجه مسلم (2531) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.

(2) وللاستزادة من هذا المعنى المهم فليُنظَر شرح اسم الله تعالى «الوكيل» للمؤلف.

(3) تقدم من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت