فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 40

والثالث: «رَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ» -. يعني: أعطاه بينه وبينه، أعطاه مما أعطاه الله تعالى، أعطاه مما رزقه الله تعالى، أنفق في السِّر من هذا الباب الذي يحبه الله تعالى [1] . فكان ذلك الشَّخص ممن يحبهم الله تبارك وتعالى.

-فرأيت هذا الحديث يُصَوِّر هذه المحبة من الله تعالى لهؤلاء الذين تركوا رَغْدَ عيشهم، ودَعَتَهُم، وسكونهم، وراحتهم، وزوجاتهم، وغِطائهم ونومهم، وأنفقوا مالهم، وضحَّوا بأنفسهم فقاتلوا وقُتِلُوا في سبيل الله، وهكذا ..

وحسبك بقوم يحبهم الله، حسبك بهم في علو درجتهم وحُسْن منزلتهم وقل ما شئت فلن تبلغ العبارةُ وصف حالهم.

فلعلك قد أخذت هذا المعنى من تعمير أوقات الغفلة بذكر الله تعالى وطاعته ليكون رصيدك في"شعبان": أن تكون أنت المُقْبِلَ حال فرار النَّاس، والمُتَصَدِّقَ حال بُخْلِهِم وإحجامهم وحرصهم، أن تكون القائمَ حال نومِهم وغفلتِهم، والذَّاكِرَ لله تعالى والداعي المُتَمَلِق له حال بُعْدِهِم وحال نومهم.

ذلك كله يكون سَبَبَ محبة الله تعالى لعبده، فإن الله تعالى يحب لهم ذلك.

ومثل آخر: كان المؤمنون في عهدهم الأول يقومون ما بين"المغرب"و"العشاء"صلاةً لله تعالى [2] ؛ لقولهم: إن هذه ساعة يغفل النَّاس فيها عن الله تعالى.

فيقومون فيها لربهم سبحانه وتعالى، ساعة غفلة يغفل النَّاس عنها ... لا ينبغي للمؤمنين المتقين أن يغفلوا كما غفل غيرهم، وأن يناموا كما نام غيرهم، أو أن يَلْهُوا كما لهى غيرهم، أو يبتعدوا كما ابتعد غيرهم، أو يَفِرُّوا كما فرَّ غيرهم.

وعادة الناس اليوم هي الفِرَارُ من الطاعة والعمل الصالح والمَلَل منها، والضيق بها، يَوَدُّون شيئًا سريعًا، شيئًا خفيفًا لا يكلفهم أنفسهم أو ما دونها، شيئًا لا يكون له أثره الجميل في قلوب المؤمنين، ولا في أعمالهم وأقوالهم، كأن أثقل شيء عليهم هو إقبالهم على ربهم، وهو محبتهم لربهم، وهو بذلهم لربهم، فضلا عن تضحيتهم لربهم. وإن كان شيءٌ لغير الله تعالى وَجَدْتَهُم يسارعون ويعطون ويبذلون، ولا يُهِمُّهُم وقت، ولا يهمهم مال، ولا جُهْد، وإن كان لله تعالى وجدتَ العِلَلَ والأعذار، والبعد عن الله تعالى.

وكان تعمير النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لهذه الأوقات التي هي في محل الغفلة لهذا السبب الأول وهو:

أن يحصِّلوا محبة الله تعالى،، وأن يُجازِيَهُم ويكافئهم أحسن الجزاء، وأن يُعْظِّمَ مثوبتهم.

الفائدة الثانية: دفع البلاء النازل على النفس والأُمَّة:

شيء آخر ينبغي النظر فيه وهو: مسئولية المؤمنين اليوم:

-فإن تعمير أوقات الغفلة مما يدفع الله تعالى به السوء عن النفس وعن الأمة، والذي يجب أن يكون في اهتمام المؤمنين اليوم، كيف يدفعون عن أنفسهم؟ وكيف يدفعون عن إخوانهم في أقطار الإسلام ما نزل بهم؟ وما أحاط بهم، وما حَلَّ عليهم؟ وقد فتح الله تعالى لهم هذا الشهر الكريم ليستشعروا تلك المسئولية؛ فإنَّ الله -تبارك وتعالى- يدفع بالمؤمنين القائمين، الراكعين، الساجدين، الذاكرين، الصائمين، المتصدقين، المتكافلين، المتعاونين يدفع الله -تبارك وتعالى- بهم عن أنفسهم، وعن غيرهم البلاء النَّازل، إذا ما نزل البلاء فوجد قومًا يُصَلون، وجد قومًا يصومون، وجد قومًا يتهجدون، وجد قومًا يذكرون رُفِعَ عنهم البلاء، دُفِعَ بهم البلاء عن غيرهم، فهم حائط الصد الأول الآن, تُرى الهزيمة تأتي من قِبَلهم؟!

(1) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ .... وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ .. » أخرجه البخاري (1423) , وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول - صلى الله عليه وسلم: «صدقة السر تطفئ غضب الرَّب» أخرجه الطبراني في الكبير وحسّن إسناده المنذري في الترغيب (1317) العلمية.

(2) عن قتادة عن أنس - رضي الله عنه - في هذه الآية { (( (( (( (( قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا (( (( (( (( (( (} قال: (( كانوا يصلون بين العشاء و المغرب ) ). أخرجه الحاكم (3737) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين, قال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم. اهـ. وعن حذيفة - رضي الله عنه - (( أنه صلَّى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - المغرب ثم صلَّى حتى صلَّى العشاء ) )أخرجه الحاكم (1177) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه, والترمذي بنحوه وقال حسن غريب (3781) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت