فإن استطعت أن تكون ممن يذكروا الله في هذه الساعة فكنْ، أي في جوف الليل الآخر، وهو الذي يغفل عنه النَّاسُ اليوم - المؤمنون و غيرُهم - بأن يذكروا الله تعالى فيه: هو موضع محبة الله تعالى.
وكذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يؤخِّر صلاة العشاء إلى ثلث الليل؛ يقول كما رَوَى البخاري وغيره عنه - صلى الله عليه وسلم: «مَا يَنْتَظِرُهَا» يَعْنِي: العشاء «أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ .. » - [1] .
وكأنه - صلى الله عليه وسلم - يقول: هذه الصلاة التي تصلون إنما أنتم الذين تصلونها في الدنيا كلها حال غفلة كل النَّاس عن الله تعالى، و هذه ميزة عظيمة للمؤمنين، أن يذكروا الله تعالى عند غفلة النَّاس عنه، وأن يُقْبِلوا عليه حال إعراض النَّاس عنه سبحانه وتعالى ..
ولك أن تتخيل أيها المؤمن كم من رحمة الله تعالى تنزل، ومحبة لله تعالى تحل بهم.
يقول - صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ ... وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ أَحَدُهُمْ يَتَمَلَّقُنِي [2] وَيَتْلُو آيَاتِي .. » [3]
- «حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ» لا يعادله شيء هذا النوم فناموا.
«قام إليَّ أحدهم» : الذي هو في محل محبة الله له سبحانه وتعالى.
«قام إليَّ» : قام إليَّ حال تعبه، وحال مشقته، وحال كون النوم أحب إليه مما سواه، قام إليه، لا يُحِسُّ بهذا التعب، ولا يشعر بتلك المشقة، ... ولا يهمه النوم والراحة التي لا يساويها شيء، بل يحس بأنَّ قيامه إلى ربه، وتلاوته لآياته، وتَمَلُّقَه ودعائه، والطلب منه هو راحته وسروره ,فأنساه تعبه ومشقته؛ - لأنه أحس في ذلك بنعيمه، أحس في ذلك بطمأنينته، وإقباله على ربه سبحانه وتعالى، فكانت أعلى وأجلَّ وأعظم من كل هذه السعادات التي يلقاها في غير ذلك، فكانت سعادته العظمى، وقُرَّةُ عينيه التي لا تنقضي، ونعيمه الذي لا يفنى أن يقبل على ربه، وأن يتلوا آياته، وأن يتملقه سبحانه وتعالى، إلى آخر ذلك. ثم ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الثاني ممن يحبهم الله تعالى فقال:
«وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا وَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ» -
يعني: فروا من أمام العدو، فقابلهم رجل بصدره فقاتلهم حتى قُتِلَ.
فذلك يضحك الله له [4] ،فهذا يحبه ربه. كأنه لما فرَّ النَّاس عن الله تعالى، وفروا عن دين الله تعالى، ونُصْرَتِهِ إذا به هو وحده في هزيمتهم، وفرارهم، وبُعْدِهِم، وإدبارهم يُقْبِل بصدره؛ يَوَدُّ ما عند الله تعالى من الشهادة، ... ومن القُرب، يود ما عند الله تعالى من الأجر في الدفع عن دينه، والذَّبِّ عن إيمانه، والقيام بِنُصْرَةِ هذا الدين ملقيًا بنفسه لا يضن بها.
(1) البخاري (566) ، ومسلم (638) .
(2) (المَلَقُ) الوُدّ واللطف الشديد وأَصله التليين , وقيل المَلَقُ شدة لطف الودّ, و مَلِقَ مَلَقًا وتمَلَّقَ وتَملَّقَهُ وتمَلّقَ له تمَلُّقًا وتِمِلاَّقًا أَي تودد إليه وتلطف له. انتهى من اللسان مادة (م ل ق) . قال الطيبي رحمه الله: (الملق) بالتحريك الزيادة في التودد والدعاء والتضرع. قيل: دل أولُ الحديث على أنه من كلامه - صلى الله عليه وسلم - وآخره على أنه من كلامه تعالى. ووُجٍّه بأن مقام المناجاة يشتمل على أسرار ومناجاة بين المحب والمحبوب. انتهى بتصرف من مرقاة المفاتيح للملا علي القاري رحمه الله تعالى.
(3) أخرجه الترمذي (2568) ، والنسائي (1615) ، وأحمد في المسند (5/ 153) من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - , وابن خزيمة في صحيحه (2456طالمكتب الإسلامي) وابن حبان في صحيحه (8/ 137) ، و قال الشيخ شعيب في التحقيق: حديث صحيح
(4) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ يحبهم الله و يضحك إليهم: الذي إذا تكشف فئةٌ قاتل وراءها بنفسه لله عز و جل .. » أخرجه الحاكم وصححه (68) من حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه -
مرفوعًا.