فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 40

لذلك يصعب على المؤمنين أشد الصعوبة أن يغفلوا عن ربهم، وأن يتكاسلوا عنه، أو يبتعدوا عن طريقه، فكأنما خرجوا إلى الموت، لقد خرج أحدهم إذن عن طريق ربه الذي يحفظه ويرزقه ويقويه، فلابد أن يقْدم عليه وأن يرجع إليه , وليس له عنه بُدُّ سبحانه وتعالى؛ فهو ربه، وهو حبيبه، وهو الذي يُرَبَّيه، ويراعي إيمانه، وهو الذي يَمُدُّه بأسباب النجاة، وهو الذي ينتظره في الآخرة؛ ليسكنه جنته مع النبيين والصديقين والشهداء، فكيف يبعد عنه المرء؟! أو كيف يغفل عنه؟! أو كيف ينسى ربه سبحانه وتعالى؟!

إن خرج عن ذكره وطاعته كان كالسمك إذا خرج من الماء .. خرج إلى الموت. تلك هي عاقبة الغفلة عن الرب والابتعاد عن طريقه سبحانه وتعالى.

والمؤمنون اليوم مع الأسف لا يُحِسُّون بهذا الموت، لا يُحِسُّون بضعف الحياة كما قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام:122] .

وقد انصرفوا إلى حياتهم وأولادهم وأموالهم وشهواتهم وقدَّموا ذلك كله على ربهم، فكان ذلك سببَ لهوهم عنه وشقائهم وخسرانهم كذلك. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون: 9] .

ويعلمون أنه هو الذي يُصْلِحُ أحوالهم، وهو الذي يُدَبِّر معايشهم، وهو يُوَسِّع أرزاقهم، وهو الذي يكفيهم كلَّ ما أَهَمَّهُم في أمور دينهم ودنياهم، فكيف يلجئون إلى عدوه؟! كيف يغفلون عنه؟! كيف ينامون عن طاعته سبحانه وتعالى؟! كيف يتكاسلون عن طريقه؟! وطريقه هو حياتهم ونجاتهم ... وطريقه هو محبتهم له وقربهم منه ... وطريقه هو عُلُوهم وارتفاعهم ... وطريقه هو كل أملهم في الدنيا والآخرة.

شأن المؤمنين القرب من الله - تعالى والوقوف ببابه

-قوله - صلى الله عليه وسلم: - (( ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ ) ) [1] .

وكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يُبَيِّنُ للمؤمنين أنهم لا ينبغي أن يغفلوا حين يَغفُلُ النَّاس عن الله تعالى، بل لابد أن يكونوا متيقظين لربهم سبحانه وتعالى، غير غافلين عنه جلَّ وعلا، مقبلين عليه حال إعراض النَّاس، ذاكرين له حال غفلة النَّاس، مهتدين بهدايته حال ضلال النَّاس. لهم شأن، والنَّاس لهم شأن آخر.

شأنهم: القُرب من الله تعالى، والوقوف ببابه، والتضرع له. والدعاء، والذكر، والبكاء، والتذلل، والانكسار إلى ربهم في كل حين، ... لا يخرجون عن ذلك طرفة عين. وإذا خرجوا فذلك هو الخذلان المبين. فأشواقهم لمحبته ... ونعيمهم ولذتهم وشهواتهم في طاعته.

فوائد إعمار أوقات الغفلة بالطاعات:

-وعمارة أوقات الغفلة بأعمال الإيمان والطاعة لها فوائدها التي ينبغي أن يُحَصِّلها المؤمنون اليوم استعدادًا لذلك الشهر الكريم الذي يُعِدُّون أنفسهم فيه لرحمة الله.

فما هي فوائد تعمير أوقات الغفلة بالطاعة؟

الفائدة الأولى: الفوز بمحبة الله سبحانه وتعالى:

-أوَّل هذه الأمور - وإن كنا نريد أن نشير فقط إلى معانٍ مهمة فيها - هو:

أنَّ الله تعالى عندما يغفل عنه النَّاس، ويقوم بعض النَّاس بذكره والإقبال عليه يكونون هم محل محبته سبحانه وتعالى.

يعني: إن أوَّل شيء يحصله هؤلاء المعمِّرون لأوقات الغفلة بالذكر، والعمل، والإقبال على الله تعالى أن ينالوا محبة الله سبحانه وتعالى.

لذلك: رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث كثيرة يحض المؤمنين على تعمير أوقات الغفلة بالذكر ليحصلوا أعلى درجات الدين والتي هي محبة الله سبحانه وتعالى.

ومن ذلك: ما ذكره - صلى الله عليه وسلم - في نصف الليل الآخر: «فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِى تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» [2]

يعني: وقت هدوء النَّاس، ونومهم، وشهواتهم إذا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يُوقِظ المؤمنين المتقين، وينبههم على أنهم ينبغي أن يَتَخَلَّوا عن تلك الشهوات من"النوم والدعة والراحة والأهل"ليقوموا إلى الشهوة العظمى والراحة القصوى، وهي محبة الله تعالى التي يُؤثِرُونها على الدنيا والآخرة، والمال، والأهل والولد ..

(1) سبق تخريجه في الحاشية رقم (3) .

(2) أخرجه النسائي (572) ، والترمذي (3579) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه , وابنُ خزيمة في صحيحه (1147) كلهم من حديث عمرو بن عبسة - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت