أنتَ مطلوب منك أن تُجاهِد نفسك أشد المجاهدة، وسيُقعدك الشَّيطان بضعف بدنك، وقلة وقتك، وكثرة مشاغلك، وأسفارك، وعملك، ومالك، وولدك"كل ذلك يضعفك به."
أمامك هذا الطريق الذي يدفع الله تعالى به عنك، ويُخَفِّفُ عنك، ويُقَوِّيك فيه، وهو أن تُجاهِد نفسك على ذلك، وأن تَصُدَّ عنك هذا الكيد من كيد الشيطان؛ بتوكلك، وقوتك بالله، ومَدَدِكَ بالله، وعونك بالله، وتوفيقك بالله، وصِحَّتُكَ بالله، وكل ذلك بالله - سبحانه وتعالى -، وإذا كان بالله فمن يكون عليه؟ لا يكون عليه أحد، ولا يتمكن منه أحد، ولا يُضْعِفَهُ شيء كما قال - صلى الله عليه وسلم: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [1] , وقال: {لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] .
فَفُتِحَ إذًا: باب"شعبان"لهذه المجاهدة التي قال الله - عز وجل - فيها: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] , فقَوِيَ عَزْمُكَ، وارتفعت همتك، وبدأت وأنت مؤمِّل أن تُجاهد نفسك، وشيطانك وهواك، وأن تعلم أنَّ النَّصر القريب فيها لأهل الإيمان، وأنَّ النصر القريب فيها للتوكل واليقين، وأن تعلم أنها صبر ساعة، وأنَّه مهما قمت لك فإن الله يحفظك كما قال - صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك» [2] وكما قال الله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .
فها قد بدأت في تلك المعركة {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6] .
كيف يغفل المؤمنون عن ربهم؟!!
-نعود إلى قوله - صلى الله عليه وسلم: «يغفل عنه النَّاس» معناه: أن المؤمنين مُطالبون بأن يُعَمِّروا أوقات الغفلة بأعمال الذكر، والقربُ إلى الله تعالى وألا يكونوا مع الغافلين كما قال تعالى: - {وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] .
لمَّا غفل عنه النَّاس لم يكن للمؤمنين أن يغفلوا عنه؛ لأنَّ المؤمنين متيقظون، حَذِرُون من ناحية ..
ومن ناحية أخرى: أنَّ المؤمنين مقبلون على ربهم دومًا؛ لأنَّهم لا ينقطعون عنه، وإن انقطعوا عن ربهم، وغفلوا عن ذكرهم ماتوا .. ماتت قلوبهم، وضلت أفئدتهم وبَعَدُوا عن طريق ربهم.
(1) أخرجه البخاري (4663) ، ومسلم (2381) من حديث أبي بكر - رضي الله عنه -.
(2) أخرجه الترمذي (2516) وقال"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ", ... وتمام نص الحديث للفائدة:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: (( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا فَقَالَ «يَا غُلاَمُ إني أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ, إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ , وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بشيء لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ , وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بشيء لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بشيء قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ, رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» وفي رواية أخرى في مسند الإمام أحمد(1/ 307) و صححها الشيخ شعيب في التحقيق: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ, احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ, تَعَرَّفْ إِلَيْهِ في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ , وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ, قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ, فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ, وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ , وَاعْلَمْ أَنَّ فِى الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا, وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ , وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ, وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: (وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهمِّ أمور الدين، حتى قال بعض العلماء:"تدبرتُ هذا الحديثَ، فأدهشني وكِدتُ أطيشُ، فوا أسفى من الجهل بهذا الحديث، وقِلَّةِ التفهم لمعناه") اهـ من جامع العلوم والحكم. ولأهمية هذا الحديث العظيم شرحه المؤلف في ستة دروس كاملة منذ أكثر من ست سنوات , وسيُنشر قريبا إن شاء الله تعالى في صورتين: أحداهما مقروءة والأخرى مسموعة حتى ينتفع بهما إخواننا.