فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 40

«كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ» [1] ، وهذه الوظيفة الأولى التي يتفكر فيها المؤمنون اتباعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، واهتداءً بهديه، أن يصوموا شعبان إلا قليلًا، إلا يومًا أو يومين، أو أن يصوموا"شعبان"كله لمن اعتاد صيام هذه الأيام. واسمع أول العقبات التي تثنيك عن ذلك لتستعد لها:

سوف يأتيك الشيطان ليقول لك: «إذا صُمْتَ"شعبان"كله سَتَضْعُف عن صيام"رمضان", ولن تتمكن من أن تقوم ببقية مصالح ووظائف"رمضان"» ليعوقك عن أن تقوم بتلك الوظيفة، والاهتمام بها، حتى لا تعد نفسك، وقلبك، وروحك، وبدنك لصيام"رمضان".. للمغفرة .. للعتق من النار, إذ ذاك أصعب شئ على الشيطان أن يراك مقبلًا طائعًا.

ماذا يُصيب المرء مثلا إذا صام"شعبان"وصام"رمضان"؟؟ كأنه سيَحدُثَ لَهُ مَا لَم يَحدث من الآفات والأوجاع، أو من تضييع العمر، أو من ذهاب المال، أو من تعطيل المصالح!

كل ذلك تخويف الشَّيطان، وتسويله الذي ينبغي أن تَحْذَرَ له من أول الأمر، سيأتيك الشيطان بكل الموانع، وبكل العَقَبَات وبكل المعوقات التي تصُدُّك عن أن تقوم بهذه الوظيفة, ولست أيها المسكين وأنت شاب فارغ من مشاغِل الدُّنيا، ومن مشاغل الدِّين كذلك أن تتكاسل وتضعف عن القيام بهذه الوظيفة.

النبي - صلى الله عليه وسلم - على عِظَمِ مشاغله من"الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة، والقيام بمصالح المؤمنين، والقيام على معايشهم، والقيام على تعليمهم وفِقْهِهِم وفي سفَرهم وحَضَرِهم. كل ذلك لم يمنعه، لماذا؟ لأنه متوكل على الله , قوي به, مدده منه سبحانه وتعالى, محب لعبادته لا يستثقلها ولا يملها, له أعظم الأشواق لله والآمال فيه."

ليتوكل المرء على الله إذن؛ ويجعل له هدفًا يريد أن يصل إليه، وهو أن يغفر الله له في"رمضان", ويعلم أنَّ المغفرة التي يود أن يُحَصِّلَها مهما بذل لها فذلك شيءٌ قليل، ولو صام عمره كله لم يكن شيئًا كثيرًا لِيُحَصِّل به مغفرة الله تعالى.

وليعلم أنه مهما أقبل على الله تعالى وتوكل عليه في ذلك فإن الله حسبه، فإن الله يكفيه. إن المشاغل التي سيعوقك بها الشَّيطان من الضعف، ومن المصالح، ومن السفر، ومن كذا، وكذا .. الله تعالى يكفيك إياها كما قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] , فإذا ما تَيَقَّنَ المرءُ أن الله تعالى يكفيه، وأن الله تعالى قادر، وقوي على أن يعينه في تحصيل هذه الوظائف، فسيعينه عليها ولكن كيف يُحَصِّلها؟!

ليدخل المرء على أعمال الإيمان دون أن تهِمَّه عواقبها, لأن عواقبها بيد الله وهي عواقب محمودة؛ ولأن الله -تبارك وتعالى- إذا فتح له باب طاعة هَيَأهُ لها، وإذا فتح له باب المغفرة هيأه لها، وقوَّاه عليها، وأمَدَّه بِمَدَدِهِ، فكيف تخشى إذن أن يحدث لك كذا أو وكذا والله تعالى معك، والله تعالى مؤيدك، وموفقك أيها المسكين؟!

لما كان موسى وهارون عليهما السلام في شُغْل الله تعالى وخشيا العاقبة بقولهما: {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} [طه: 45] قال لهما الربُّ - سبحانه وتعالى: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 45] , فكان في شُغُلهما لما كانا في شُغُل الله تعالى.

لذلك: ينبغي أن يتعلم المرء هذه القضية في كل قضايا الإيمان، والعمل الصالح؛ ألا يلتفت إلى تخويف الشَّيطان ومعوقاته وأنه سيقع له كذا وكذا. لا, ولكن يتذكر قوله تعالى {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] , يُذكِّر بها نفسه ويُقوِّي بها قلبه.

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه - سبحانه وتعالى - «إِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [2] . فهل ستتقرب إليه بهذه الأنواع من أنواع القُرُبات ثم يحجب عنك مدده، وقوته، وقدرته، وعونه، وتوفيقه، وتسديده؟! لا .. بل على العكس.

إذا ما تقربت إليه بتلك القربات فأنت في محل التوفيق، ومحل المدد من الله تعالى، ومحل العَوْن والإصابة والسداد، محل أن تكون هذه العواقب الحسنة كلها قد هيأها الله تعالى لك فلا تخشَ حينئذٍ شيئًا. قد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يقوم الليل كله، يدعو، ويُنَاشِدُ ربه، ثم يصبح ليجاهد المشركين وليقاتلهم كما رأينا في غزوة بدر.

فهذا هو مقتضى التوكل الذي يدفعك إلى المعنى الثاني الذي قد فُتِحَ له"شعبان"وهو معنى: المجاهدة.

معنى المجاهدة:

(1) البخاري (1970) , ومسلم (1156) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2) أخرجه البخاري (7536) ، ومسلم (2675) من حديث أنس - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت