مَنْ الذي ضَمِنَ قلبَه؟ ومَنْ الذي ضمن أن يفتح الله تعالى له بابه؟! وقد رآه متكاسلًا، رآه يَدْفَع نعمة الله تبارك وتعالى، ويُعْرِضُ عنها، ولا يأخذها بالقوة. هو قد أعْرضَ عن هذه الرحمة، وعن تلك المغفرة ولم يبالِ بها، وأخذها بهذا التكاسل، وهذا التواني، وهذا الضعف .. تُراه بعد ذلك يفتح الله تعالى له؟!
لذلك كان أول ما ينتظره المؤمنون من هذا الشهر هو الاستعداد لرمضان كموسم من مواسم المغفرة، فإنهم يعلمون إنهم إن لم يستعدوا لهذا الشهر كما كان حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فإنَّ رمضان سينقضي عليهم كما انقضى غيره من قبل، ويخرجون منه بالحسرة، ويخرجون منه بالحزن والألم، ويخرجون منه على الحال التي لا يمكن أن تتحقق بها المغفرة كما قال - صلى الله عليه وسلم - فيها «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [1] .
فَمَنْ الذي أحسَّ بهذا المغفرة بعد رمضان؟
ومن الذي أحسَّ بهذا العتق من النار بعد رمضان؟
ومَن الذي أحسَّ برحمة الله تعالى تنزل عليه فينتقل مما هو فيه إلى الحال الحسن، وإلى استقامة أشد على طريق الله تعالى؟
َمَنْ الذي أحسَّ بذلك كله؟!
الفصل الثاني:
وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ذكرنا هي مدخلنا إلى الكلام عن هذه الوظائف ليفهم منها المؤمنون حل مشكلتهم وعقدتهم في الاجتهاد وليتعلموا مواضع الاستعداد لـ"رمضان"ومواسم المغفرة, وأهمية الدفع عن المؤمنين وتحمل المسئولية التي أنيطت بهم, وخطر تعويض واستدراك ما فات مما كانوا يُمَنُّونَ أنفسهم به والوفاء بعهدهم مع الله.
قال - صلى الله عليه وسلم: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاس عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [2] .
وكأنَّ"رَجبًا"و"رمضان"مِن الشُّهور التي يُعظِّمها المؤمنون، ثم يَغْفُلون عن"شعبان"، وهذه هي الحال التي نحن فيها, فما أن يأتي"شعبان"حتى يترك الناس الاجتهاد والطاعات ويقصرون فيها -وهم مقصرون أصلا- يقول القائل لنفسه: «ها قد أوشك"رمضان"، وإن شاء الله في"رمضان"تُعَوِّض ذلك كله، وإنْ شاء الله في"رمضان"يكون اجتهادك زائدًا ... »
ويظل يفتح له الشيطان باب التمني والأمل حتى يقعد عن العمل في"شعبان"، وحتى يتكاسل عنه!
وذلك ما تميل إليه النفس؛ لأنه كلما اقتربت تلك المواسم ضَعُفَت النَّفس عن العمل؛ لأنها بتسويفها تظنّ أنها سَتُعَوِّض ذلك في"رمضان"، فإذا جاء"رمضان"على هذه النفوس الضعيفة، وعلى هذا الإقبال الضعيف على الله تعالى لن يجدي"رمضان"شيئًا؛ أتاهم وهم خائبون، فانصرف عنهم وهم كذلك، فعادوا إلى الخيبة والخسارة التي نراها كل عام، إلا من رحم الله تعالى.
فَلْيِشُدّ أهل الإيمان إذًا على عزمهم، ولْيُوَثِّقُوا عهودهم، وليأخذوا حِذْرَهم، وليتيقظوا لفوات عمرهم, فالعمر يمر بأسرع مما نتخيل: فقد كنا نتكلم عن قرب مجئ رمضان السنة الماضية وجاء ورحل، كأنه بالأمس القريب، وإذا"برمضان"التالي يوشك أن يعود؛ عام كامل قد مرَّ، تُراك حاسبت فيه نفسك أيها المؤمن؟
إذن لقد علمتَ كم كانت خسارتك فيه، وكم ضَيَّعتَ فيه من أنفاس وأيام وشهور، وكم ضيعت ذلك كله في عدم تحصيل شيء في معادك، وتحقيق أسباب نجاتك، وقد علمت أنَّك موقوف، ومسئول، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ: فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ: فِيمَا فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ: مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ ... وَعَنْ جِسْمِهِ: فِيمَا أَبْلاَهُ؟» [3] . فلن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن شبابه وعن عمره وعن ماله أين ضيع ذلك كله؟ وكأنَّ عمرك لا يُساوي شيئًا، وكأنَّك لن تُسأل عنه، وكأنه شيء لم يفتحه الله تعالى لك لتزيد به من حسناتك، ولتأخذ به في تثقيل موازينك، ولتُقْبِلَ به على ربك؛ خشية أن يأتيك الموت، وأنت على هذا الحال!
وكأنَّك من كَثْرَةِ مَا أَمدَّ لك الشيطان في الأمل، وأنساك بغتة الأجل، وأنساك قُرْبَ الموت والرحيل، كأنك بِمَأْمَن أن تنتقل إلى الرب الجليل وأن ترحل إليه، وأن تُحاسب بين يديه سبحانه وتعالى؟
(1) أخرجه البخاري (38) , ومسلم (760) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) سبق تخريجه في الحاشية رقم (3) .
(3) رواه الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - مرفوعا , قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (2417)