وإذا كان المؤمنون ينبغي أن يكونوا مُستعدين على كل حال فإنهم في تلك الأيام من أيام المغفرة ينبغي أن يَسْتَعِدُوا من أول يوم في شعبان، لأن أيام المغفرة تأتي ليَزْدادُوا فيها استعدادًا، وَلِيزْدادوا فيها عملًا، وليزدادوا بها قربًا من الله، وليزدادوا بها اجتهادًا, فمن كان مقصِّرًا أقلع، ومن كان مستقيمًا ازداد، ومن كان مُتَهَيِّئًا للرحمة إذا به يزداد من تلك الرحمة، ومن هذا التقرب إلى الله تعالى.
فإذا لم يحاول المؤمنون المهتمون اليوم أن يقوموا بتلك المسئولية الضخمة وبهذه الأعباء فَمَنْ يقوم بها؟!
وإذا لم يبلوا البلاء الحسن , وإذا لم يدفعوا هُم فمن يَدْفَعُ ومن يبلي؟!
وإذا لم يجتهدوا في القيام بتلك الأوامر النبوية من التحقق بأسباب المغفرة فمن يجتهد؟!
وإذا ظل الاجتهاد هو مشكلة المؤمنون وعُقدتهم ... وظلت نواياهم غير معقودة عليه، ولا مُهْتَمَّةٍ به حتى في تلك المواسم من مواسم المغفرة، فمتى تنعقد تلك النوايا على الاجتهاد؟
جاء"شعبان"إذن ليتعلم فيه المرء هذا الاجتهاد وليكون هو المُقَدِّمَةَ لتلك المغفرة التي ينبغي أن يستعد المؤمنون لها الاستعداد الجيدَ -الذي طالما قصَّر فيه المؤمنون- وقالوا قولهم المعتاد الذي نسمعه كل عام بعدما خرجوا من رمضان كما دخلوا فيه: «إن شاء الله من العام المُقْبِل سوف نحاول، وسوف نبدأ، وسوف نُعِدُّ أنفسنا من أول يوم، وسوف لا يضيع علينا"رمضان"كما ضاع من قبل!» وكذا، وكذا مما نسمع من هذه الأماني، وتلك العهود التي يُعَاهِدُ المؤمنون ربهم وأنفسهم أن يتحققوا بها، وأن يلتزموا بمقتضاها، وأن يُوَفُّوا بها لله تعالى .. ثم يعودوا سيرتهم الأولى السيئة المعلومة! فكم من قائل إنه سيبدأ وسيحاول، ثم تغلبه نفسه أو يغلبه شيطانه، وينقض عهده مع الله! وقد أضافت هذه العهود السابقة سببا ثالثا للاهتمام بشهر شعبان.
السبب الثالث: الوفاء بعهد المؤمنين مع الله من الاستعداد لرمضان
فقد كان المؤمنون عندما انقضى"رمضان"الماضي، والذي قبله، والذي قبله, يقولون: من الذي حصَّل المغفرة؟ من الذي حصَّل العِتق من النَّار؟
يا ليت شِعْري من المقبول فنهنيه ومن المردود فنعزيه
ثم خرج المؤمن من رمضان وعاد فجأة إلى دنياه، وإلى كَسَلِهِ، وإلى غَفْلَتِهِ، وإلى بُعْدِهِ، ولم تَعُدْ حاله كما كانت على هذه الأحوال الحسنة في"رمضان"فإذا به يَتَحَسَّر على ذلك، ويَحْزُن لما صار إليه فجأة بعد أن كان في حالة عالية، وأحوال سَنِيَّة، وأعمال رَضِيَة, إذا به ينتقل إلى العكس، وكأنه لم يكن في"رمضان", فلا قيام، ولا صيام، ولا ذِكْر، ولا قرآن، ولا شي. وإن كان ثَمَّ شي من ذلكء فهو قليل متقطع شملته الغفلة. ثم يُعاهد ربَّه أن يعوض ذلك في شعبان القادم، وأنه سيبدأ فيه من أول يوم.
فهؤلاء قد أتاهم"شعبان"ليكون الموسم الذي فتحه الله جل وعلا لهم ليدركوا هذه العهود, وليكون تقدمة"لرمضان"لِيُنَفِّذوا عهودهم،
لِيُوَفُّوا بما عاهدوا الله تعالى عليه؛ ليُثبتوا أنهم مُتحمِّلون لتلك المسئوليات، وأنهم لن يقصِّروا فيما قصروا فيه من قبل، وإنما قد جاءتهم
الفرصة ليُرُوا ربهم سبحانه وتعالى، أنهم حقًا يريدون مغفرته، وأنهم حقًا يريدون أن يعتقهم من النار، وأن يخرجهم من الحالة الراكدة التي هم فيها , ليخرجهم من ذلك كله - سبحانه وتعالى -؛ بعفوه، وفضله وَمَنِّهِ إلى حال أحسن، وإلى موسم أعظم، وإلى تلك المقامات السامية مع الله تعالى التي يرضى عن عباده فيها.
جاء هذا الموسم ليحقق لهم ما فات عليهم في المواسم السابقة, ها قد فتح الله تعالى في أعمارهم؛ كانوا يتمنون بعد"رمضان"ماضٍ، لو يأتي عليهم"رمضان"، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» [1] , ها قد جاء وقتهم ليوفُّوا بعهودهم .. تُراهم يوفُّون؟!
هم بين أمرين: إما أن يكونوا كسابق عهدهم وإما أن يُوَفُّوا مع الله تعالى لِعِلْمِهم أنَّه يمكن أن لا يعود عليهم ذلك مرة أخرى.
مَنْ الذي يضمن أن يعود عليه"رمضان"مرةً أخرى؟ ولو عاد إليه مَن الذي يضمن أن يُفتحَ له باب القبول خاصة وأنه لم يُوَفِّ من قبل، وقد خدعه الشَّيطان ومنَّاه أنه سيكون في"رمضان"أحسن مما كان ... في ذي قبل؟! ولم يحدث ذلك.
(1) أخرجه الترمذي (3545) وقال:"حديث حسن غريب", وابن حبان في صحيحه (3/ 189) قال الشيخ شعيب في التحقيق: (إسناده صحيح على شرط مسلم) اهـ , كلاهما يرويه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. قال المنذري: (رَغِمَ - بكسر الغين المعجمة - أي لصق بالرغام وهو التراب ذلًا وهوانًا, وقال ابن الأعرابي: هو بفتح الغين ومعناه: ذل) اهـ من الترغيب (ح:2596) .