وإنما يرفع باجتماع الهمة وقوة القلب. وعلى قدر قوة القلب والعزيمة وارتفاع الهمة وعلوها ترتفع الأعمال إلى الله تعالى. وعلى قدر ما في القلوب من الإخلاص والمحبة وتوابعها ترفع الأعمال إلى رب العالمين - سبحانه وتعالى -.
فينبغي التنبه إلى أنَّ أيَّام الغفلة هي أيام الإخلاص وليس للنفس فيها نصيب.
إن أيام الغفلة التي تُرفع فيها الأعمال إلى الله، لا تُرفع إلا بالإخلاص؛ لأنه أشق شيء أن تَعْملَ والناس لا يعملون ثم لا يداخلك العُجْبُ وإظهارُ العمل.
والله تعالى يقول:) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ( [البينة:5] .
يعني: ألَّا يريد بعمله ذلك إلا الله؛ لأنه تُرفع الأعمال إلى الله تعالى، فإذا بالله تعالى يلقي بهذه الأعمال ويَرُدَّها، وتسأله الملائكة فيخبرهم أنَّ هذه الأعمال لم يريدوا بها وجه الله تعالى.
تُراك أيها المسلم المؤمن! وأنت تعمل العمل على غير الإخلاص لله تعالى، تُراه يرتفع إلى الله؟!
لا يرتفع إلى الله تعالى إلا ما كان خالصًا لله تعالى يُبْتَغَى به وجه سبحانه وتعالى، وكذلك في الآخرة؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ, إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِى الدُّنْيَا, فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟» [1] لا يجدون عندهم شيئًا!
-التحذير من الخروج عن حد الإخلاص
إنَّ معاملات المؤمنين اليوم - إلا من رحم ربي - قد خرجت عن حدِّ الإخلاص لله تعالى؛ حتى وهم يعبدون الله -تبارك وتعالى- يحبون أن يُمدحوا على هذه العبادة، والذي يُوَفِّقَه الله تعالى مثلًا لِأَنْ يقوم ليلة، يَوَدُّ أن يطلع عليه النَّاس ليَرَوْه وهو يصلي. وهذا الصائم يود أن يَعْلَمَ النَّاسُ بصيامه، لا يريد أن يخفي صيامه، ولا أن يخفي عبادته، وإنما يريد أن يطلع النَّاس عليها ليمدحوه عليها، أو يريد من النَّاس ترك المذمة، أو يريد من النَّاس العِوَض على ذلك، حتى في معاملاته هذا المسكين مع النَّاس لو أحسن إلى النَّاس إذا به لو أساءوا إليه يقول: «قد فعلت لهم كذا وكذا، وعملت لهم كذا وكذا، ثم يعاملونني بكذا وكذا، وهذا آخرته وهذا رد الجميل، وهذا .. »
فيتضح بذلك أنه لم يكن مخلصًا في عمله ولا في صحابته ولا في صداقته، ولم يكن مخلصًا كذلك في مقاطعته. إنما غضبه لنفسه، وصداقته لنفسه، وانتظاره لأجر النَّاس له، ورد المكافئة والجميل، وكفِّ الشر والأذى، إلى آخر هذه النوايا السيئة التي لا يفهمها المرء من نفسه، فإذا ما ظهرت الحقائق، وجاء الامتحان، وجدتَّ أنَّ كلَّ ذلك لم يكن لله تعالى، وإنما كان لأنفسهم، وكان لتحصيل مصالحهم النفسية والمالية التي هي بعيدة كل البعد عن الله تعالى ... بعيدة عن إرادة وجهه سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ? إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان9] . لا يريدون جزاءً ولا شكورًا مِن أحد، وإنما قدَّموا ما قدموا ينتظرون ما عند الله، فإذا لم يعطهم المولى سبحانه وتعالى لن يعطيهم أحد، وإذا ما عملوا هذه الأعمال على انتظار هذا الرياء، أو على انتظار السُّمعة، أو على انتظار الشُّهرة بين النَّاس، ومدح الناس لهم، أو مكافئتهم، أو القيام بحقوقهم، أو الحُزْن عند تقصير الناس على القيام بواجباتهم و السؤال عنهم، يقول أحدهم: «سألت عنه فلم يسأل عني، وأعطيته واحتجت فلم يعطني، وفعلت .. وفعلت .. » . وكل ذلك ليس من الإخلاص لله تعالى.
(1) أخرجه الإمام احمد (5/ 429) عن محمود بن لبيد - رضي الله عنه - يرفعه , قال المنذري ... في الترغيب (50 ط. العلمية) : رواه أحمد بإسناد جيد. اهـ , ومحمود بن لبيد راوي الحديث: هو مَحْمُودُ بنُ لَبِيْدٍ بنِ عُقْبَةَ بنِ رَافِعٍ أَبُو نُعَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ، الأَوْسِيُّ، الأَشْهَلِيُّ، المَدَنِيُّ. وُلِدَ بِالمَدِيْنَةِ فِي حَيَاةِ رَسُوْلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. اختلف العلماء في صحبته لكن جزم البخاري بأن له صحبة، ورجح ابن عبد البر وابن حجر بان له صحبة - رضي الله عنه -. توفي سنة 96 هـ و قيل 97 هـ بـ المدينة (انظر تهذيب التهذيب) بتصرف.