قال رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ, قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِىءٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّار ِ, وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ, قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ, وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِى النَّارِ, وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا, قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ, قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ, فَقَدْ قِيلَ, ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ» [1] .
ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أوَّل من تُسِعَّر بهم النار يوم القيامة، هذا الذي قد تصدَّق لله تعالى، وهذا الذي قُتِلَ في سبيل الله، وهذا الذي تعلَّم العلم، كل هؤلاء أول من تُسَعَّر بهم النار. هذا الذي استُشْهِدَ وقتل في سبيل الله، يُعَرِّفَه نِعَمَه فيعرفها، فيقول: ماذا فعلتَ فيها؟ يقول: قاتلتُ فيك حتى استشهدتُ، يُقال له: «كذبتَ» ، مع أنَّه قاتل وأتعب نفسه كلَّ هذا التعب، ولكنَّه يُقال له في النهاية: «كَذَبْتَ» ، لم تفعل ذلك لله تعالى، نعم! قد قُتِلتَ، نعم! قد حدث لك وحدث، ولكنك في نهاية الأمر كنت كذابًا، كَذَبْتَ لم تُرِدْ به وجه الله إنما ليقال شجاع .. اذهبوا به إلى النار. والرجل قد تصدَّق، وأعطى وأنفق، ولم يترك شيئًا إلا قد أنفق فيه، وأعطى لهذا وفعل لذلك, وقام بخدمة هذا، وسَوَّى لهذا، يُعَرِّفه نِعَمَهُ فيعرفها، فيقول: ماذا فعلت فيها؟ يقول: ما تركت بابًا لك إلا أنفقت فيه، فيُقال له: «كذبت» !
هو أنفق وقام وسعى وأعطى وتصدق، ولكن يقال: «كذبت» أيها الكذاب!
«إنما تصدقت ليُقال: جواد وقد قيل» أنت تريد أن يُقال: كذا وكذا؛ فقد أخذت حظَّك أيها المسكين في الدنيا! حظك هذا الحقير الزائل، اذهبوا به إلى النار، فيُذهب به إلى النار.
-بركة الإخلاص
وهذا الأمر هو أهم الأمور التي نفتقدها اليوم؛ لأنَّ بركة الإخلاص هي قبول العمل ونماؤه ورفعه إلى الله مع عود ذلك على القلب بالنور والقوة والحياة والترقي. أن يعمل المرء لله تعالى، أن يُصاحب لله تعالى، أن يُقاطِع لله تعالى، لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا، وهذا المعنى مهمٌ سواء في معاملته لله، أم في معاملته للنَّاس.
وقد روى الحسن رحمه الله تعالى [2] قصةَ الإخلاص التي تُبَيِّن هذه البركة؛ لأن بركة الإخلاص تظهر في الأعمال، وتزكيها وترفعها إلى الله، وربما كان العمل قليلًا، ولكنَّ المرءَ مُخْلِصٌّ فيه إذا به يُرفع إلى الله تعالى والعمل الكثير يُلقى في وجهه هباء منثورًا، كما ذكرت الآية، لأنه لا يريد به وجه الله تعالى.
يذكر الحسنُ هذه القصة يقول: كانت شجرة تُعبد من دون الله تعالى، فخرج إليها عابدٌ قال: لأقطعنَّ هذه الشجرة التي تُعبد من دون الله، فاعترضه الشيطان قائلًا: إلى أين؟
قال العابد: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تُعبد من دون الله.
قال: ليس لك إليها سبيل.
قال العابد: لا.
فتعاركا، فَغَلَبَ العابدُ الشيطانَ، فقال له الشيطان: هل أقول لك ما أفضل من ذلك؟
قال العابد: نعم ..
قال: دَعْها ولك بِذَلِك كل يوم دينارين.
(1) أخرجه مسلم (1905) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) الحسن بن أبي الحسن يسار البصريُّ أبو سعيد مولى زيد بن ثابت وقيل جابر بن عبد الله وقيل أبو اليسر. وَكَانَتْ أُمُّ الحَسَنِ مَوْلاَةً لأُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المُؤْمِنِيْنَ المَخْزُوْمِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر - رضي الله عنه - , وَكَانَ سَيِّدَ أَهْلِ زَمَانِهِ عِلْمًا وَعَمَلًا. قال أبو بردة: أدركتُ الصحابة فما رأيت أحدًا أشبه بهم من الحسن. وقال خالد بن رياح الهذلي: سُئل أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن مسألة فقال: سلوا مولانا الحسن، فقيل له في ذلك فقال: إنه قد سمع وسمعنا فحفظ ونسينا. وقال سليمان التيمي: الحسن شيخ أهل البصرة. توفي في رجب سنة عشر ومائة. انظر تذكرة الحفاظ للسيوطي وسير أعلام النبلاء للذهبي.