فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 40

قال العابد: من يضمن لي ذلك.

قال الشيطان: أنا أضمنهما لك تحت وسادتك.

فرجع الرجل فوجد الدينارين تحت وسادته في اليوم الأول. وفي اليوم التالي لم يجد الدينارين، فقام ليقطع الشجرة، فاعترضه الشيطان قائلًا: ليس لك إليها سبيل، فتعاركا فخنقه الشيطانُ.

انظُرْ إلى بركة الإخلاص في المرة الأولى:

قال له الشيطان:"إنَّك قد خرجتَ لله في المرة الأولى، فلم يكن لي عليك سبيل"، فلم يتمكن منه الشيطان.

"فلما خرجتَ في المرة الثانية خرجت للدينارين"، خرجت لحظ نفسك، لمصلحتها، لمدحها، لحظوظ الدنيا، لشهواتها، خرجت لأنك تُعَظِّم ما في نفسك من شهوة إلى المال، إلى الجاه، إلى المدح، إلى السلطان، إلى أن يقال عنك كذا وكذا,"فلم يكن لك عليَّ سبيل".. فتمكن منه الشيطان.

وهي أعمال اليوم التي تُبَيِّن هذه القصة، وهو أن بركة الإخلاص ... ألّا يتمكن الشيطان من العبد، فإذا ما عمل الأعمال على غير الإخلاص ... لا يعبأ به الشيطان بل يتلاعب به؛ لأن المرء لم يكن مخلصًا لله تعالى في عمله، ولم يردْ به وجه الله فإذا به لا بركة له، ولا قوة في قلبه له، ولا قوة في بدنه على هذه الأعمال الصالحة، فإذا بالشيطان يَصْرَعُه، إذا قام يصرعه الشيطان، إذا قام يصرعه وهكذا، كلما أراد بعمل غير الله تعالى إذا بالشيطان يتمكن منه، وإذا به لا يستطيع أن يتقدم إلى الله تعالى، وكل أعمالنا إلا من رحم الله تبارك وتعالى يشوبها ذلك , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

-شهر"شعبان"هو شهر الإخلاص

التركيز إذن في هذه الأيام على أن شهر"شعبان"هو شهر الإخلاص، ولينظر المرء في أقواله وأفعاله، وعباداته، ما يريد به وجه الله تعالى، وما لا يريد. حتى لا يدخل"رمضان"عليه وهو على هذه الحالة السيئة؛ لا ينتظر مغفرةً ولا رحمة، فهذا سبب من الأسباب العظيمة التي يخرج بها المرء من"رمضان"ليس مغفورًا له، يخرج من"رمضان"وما أحسَّ بعتقه من النار، يخرج من رمضان وما أحسَّ بإقباله ومحبته واستقامته وزهده، يخرج ولم يحس بتوكله وقربه إلى الله تعالى. خرج منه كما دخل فيه.

وقصة الإخلاص هي أعظم القصص، وأيام الغفلة هي أيام تربية النفس عليه بأن يكون المرء في ظاهره وباطنه لا يريد إلا الله سبحانه وتعالى في قوله وفعله وسره وعلانيته وظاهره وباطنه، لا يريد وجه الزائلين الذين لن يغنوا عنه من الله شيئًا.

وهذا الشهر وهو شهر الغفلة ينبغي أن يَظْهَرَ فيه الإخلاص، لذلك كان كثير مِن السَّلف: كعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - [1] يقول:"إذا أصبحتم صائمين فَأَصْبِحُوا مُدَّهِنين".

حتى تذهب غُبْرَةُ الصيام، حتى لا يظن بك أحد أنك صائم، وحال بعض المؤمنين اليوم على غير ذلك، تراه يُظهر صومه، وأنَّه عصبي لأنه صائم، وأنه مصفر الوجه لأنه صائم، وكذا، وكذا مما يظهره المرء، ويحاول أن يداريه، وهو يحب أن يظهر، وتصرفات المؤمنين يعلمها الله تعالى منهم قبل أن يتميزها البشر.

(1) عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدِ بنِ غَافِلِ بنِ حَبِيْبٍ الإِمَامُ الحَبْرُ، فَقِيْهُ الأُمَّةِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهُذَلِيُّ، المَكِّيُّ، المُهَاجِرِيُّ، البَدْرِيُّ، حَلِيْفُ بَنِي زُهْرَةَ.

كَانَ مِنَ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ، وَمِنَ النُّجَبَاءِ العَالِمِيْنَ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَكَانَ يَوْمَ اليَرْمُوْكِ عَلَى النَّفْلِ، وَمَنَاقِبُهُ غَزِيْرَةٌ، رَوَى عِلْمًا كَثِيْرًا. وأمُّهُ: هِيَ أُمُّ عَبْدٍ بِنْتُ عَبْدِ وُدٍّ بنِ سُوَيٍّ، مِنْ بَنِي زُهْرَةَ.

عن عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ - فَبَدَأَ بِهِ- وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ» رواه الإمام مسلم (2464) ,و عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ:"فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْه", ِ قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا يَعِيبُهُ) رواه الإمام مسلم (2462) , ومناقبه كثيرة في الصحيحين وغيرهما , توفي سنة: 32 أو 33 هـ بـ المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت