النقيب الدكتور مصطفى أحمد نجيب [1]
المقدمة
نظرا لفظاعة وخطورة وقبح وعظم شأن بعض الجرائم وتهديدها لأمن المجتمع واستقراره، فقد جاء ذكرها نصا واضحا في الشريعة وكان تفصيل عقوبتها اكثر وضوحا وتفصيلا بحيث يدرك عامة الناس قبح هذه الجرائم وفظاعتها، ودورها في فت عضد المجتمع، فلا يجد بعدها غرابة أن تكون عقوبتها مشددة على مرتكبها بل توعدت من يستحلها بغير حق او كل من تسول له نفسه التفكير بإقترافها او المساعدة عليها أو التستر على مرتكبها بأشد العقوبة.
وفي الحقيقة أن هذه الجرائم تعد على أصابع اليدين وهي ما يسميه الفقهاء بجرائم الحدود والقصاص، ولقيت من الفقهاء الكثير من العناية والبحث والتحليل الأمر الذي جعل بعض المشككين أن يلمز بقصد أو غير قصد نظام العقوبات بحجة أن الكثير من الجرائم لم يرد لها ذكر في الكتاب او السنة فيفلت مرتكبها من العقاب ويبقى يعبث في الأرض فسادا، وقد نسي هؤلاء أو تناسوا ان فلسفة العقوبات في الشريعة الإسلامية قائمة على حماية الجماعة من جهة، وحماية المصالح الضرورية المعتبرة في الشريعة من جهة اخرى، لأن الحياة الإنسانية لا تقوم إلا بها فقامت بصيانتها وعدم العبث بها وعمدت إلى حفظ"الدين والعقل والنفس والنسل والمال"، وعملت على ردع الجريمة قبل حدوثها واجتثاث جذورها من المجتمع، ومن هنا جاءت العقوبات الشرعية رادعة وزاجرة ومناسبة وفظاعة وجسامة وخطورة الجريمة، فلا عجب والحالة هذه ان تأتي بعض الجرائم بالنص والحصر ومشخصة بالكتاب والسنة وأن تكون عقوبتها ايضا اشد وضوحا وجلاء، ولا مجال للإجتهاد فيها تبعا لقبح هذه الجرائم وفظاعتها ودورها في هدم المجتمع الإنساني (المسلم وغير المسلم) وفت عضده، فكانت جريمة الزنا والقتل والسرقة وقطع الطريق وغير ذلك مما يسمية الفقهاء بجرائم الحدود القصاص وعقوبة كل منها اشد وضوحا بحيث لا تقبل التغيير او التبديل ولم تعرف البشرية وصفوة رجالها من رجال القضاء والقانون عقوبات رادعة لمرتكبي هذه الجرائم فدفعت الإنسانية ثمنا باهظا لمثل هذه الجرائم وخاصة في المجتمعات غير الإسلامية، فالإيدز وعصابات القتل والمخدرات وغسيل الأموال تفتك بتلك المجتمعات وهي عاجزة من القضاء عليها واستئصالها من المجتمع في حين هي قليلة جدا في المجتمعات الإسلامية حيث جاءت العقوبات لهذه الجرائم من فوق سبع سموات من لدن حكيم خبير عليم، لأن هذه الجرائم لا تعترف بحدود الدول وتقسيمات الأمم المتحدة لها، فترتع وتترعرع حيث الجهل والفقر وحب الدنيا وزينتها من المال والنساء، وهذه لا تتغير ولا تتبدل من مجتمع لآخر ومن هنا كان النص عليها وعلى عقوبتها واضحا لجميع الناس فلا عجب أن نجدة سبحانه وتعالى يخاطب اصحاب العقول في المجتمع وخاصة من له علاقة بالأمن والقضاء ورجال القانون لأنهم أكثر فهما وأقرب الناس من تشخيث الجريمة
(1) (كلية الشرطة - أبو ظبي.