المبحث الأول
التعزير في اللغة [1] : ضرب دون الحد لمنع الجاني من المعاودة وردعه عن المعصية.
وأصل التعزير، التأديب ولهذا يسمى الضرب دون الحد تعزيرا لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب، فسميت العقوبات تعزيرا لأن من شأنها أن تدفع الجاني وترده عن ارتكاب الجرائم والعودة إليها.
وفي الإصطلاع الشرعي [2] : هي"تأديب وإصلاح وزجر عن ذنوب لم تشرع فيها حدود ولا كفارات من الإمام أو من له قدرة على ذلك"وفي الحقيقة أن المتتبع لمعنى التعزير عند الفقهاء يجد أن الجرائم التعزيرية هي التي لم يذكر الشارع الحكيم عقوبة مقدرة لها كما ذكر لجرائم الحدود والقصاص بل ترك امرها لأولياء الأمور يقدرونها في كل جريمة بحسبها تبعا لإختلاف الأزمنة والأمكنة، فمعاقبة المجرمين في هذه الجرائم مفوض شرعا إلى أولياء الأمور بتقدير الجريمة وعقوبتها لأن سقوط الحد لا يعني أبدا أن يفلت الجاني من العقوبة بل يفيد سقوط العقوبة المقدرة شرعا هذا لا ينافي معاقبته بعقوبة أخرى أخف من الحد تعزيرا له على جريمته.
حكمة مشروعيتها: إن الجرائم التعزيرية كثيرة ومتنوعة وهي في الوقت نفسه جديدة ومتطورة ولم تكن معروفة عند السلف الصالح من هذه الأمة، ومن هنا فإنها تحتاج إلى اجتهاد القاضي وسعة أفقه واستنارة فكرة في اختيار العقوبة المناسبة للجريمة التي تستحقها فقد يستلزم الأمر ان ينوع القاضي في العقوبات حسب حال المخالفين مع الأخذ بعين الإعتبار حكمة مشروعية التعزير [3] ، والتي تهدف الى حماية مصالح الناس وضروريات حياتهم وهي ما يسمى بالضروريات الخمس"الدين والنفس والعقل والنسل والمال"فلا تقوم الحياة بدونها ومن هنا كان الإعتداء عليها جريمة تستوجب العقاب فكل ما يحفظها يعتبر مصلحة وكل ما يفوتها يعد من المفاسد.
كما أنها تهدف إلى ردع الجريمة ومنعها قبل حدوثها وتسعى إلى إجتثاث جذورها من ثانية، وهو في الوقت نفسه زجر للآخرين عن إرتكابها لئلا يصبهم ما أصابه من العقاب ومن هنا عبر الفقهاء عن ذلك بقولهم (بأن العقوبات موانع للفعل قبل وقوعها وزواجر له بعد وقوعه) وبعبارة ثانية هي (زواجر وجوابر) أي انها تزجر الناس عن فعل الذنب وإرتكاب الجريمة كما أن إقامة وتطبيق العقوبة على الجاني تجبر عنه العقوبة في الآخرة.
كما أنها لا تكتفي بإصلاح المجرم فحسب بل وتسعى إلى تقويم أعوجاجه شأنها بذلك شأن الوالد في تأديب ولده والطبيب في معالجة مريضة حيث يعمد هؤلاء الى المعالجة بما يشفى المريض ويؤدب الولد ولا يهمهم أبدا في تلك المرحلة ما يشتهية المريض او يحبه ويتمناه الولد.
(1) إبن منظور: لسان العرب مادة عزر 4/ 562.
(2) إين عابدين: محمد أمين: حاشية أبن عابدين 3/ 273 بيروت دار الفكر.
(3) نجيب، مصطفى أحمد، فقه العقوبات 391 منشورات جامعة القدس 1998.