الصفحة 3 من 55

إن لشهر رمضان في نفوس المسلمين , وقلوبهم , مكانة عظمى , بين الشهور , لأسباب كثيرة منها:

-أنه الشهر الوحيد الذي ذكره الله تعالى في كتابه الكريم , فقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [1] .

* وأنه الوعاء الزمني الذي أنزل الله تعالى فيه القرآن الكريم مجملا من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا , ثم أنزله الله تعالى منجمًا [2] , حسب الحوادث على مدار ثلاثة و عشرين عاما , هي مدة البعثة النبوية المشرفة.

* وأنه الشهر الذي يحوي أفضل ليلة على الإطلاق , و أكرم ليلة على الله تعالى , و أعظم ليلة باركها الله تعالى لعباده المؤمنين , وهي ليلة القدر , التي قال الله فيها: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [3] .

وقال تعالى: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الْأَوَّلِينَ} [4] .

* وأنه الشهر الذي تضاعف فيه الحسنات و الأجور على الأعمال الصالحات , وعلى سائر الطاعات والقربات , يوضح ذلك حديث سليمان الفارسي - رضي الله عنه - والذي أخرجه ابن خزيّمة في صحيحه , والبيهقي في سننه , وصححه المنذري في الترغيب والترهيب , وفيه يقول سلمان - رضي الله عنه:"خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في آخر يوم من شعبان فقال: (أيها الناس!! قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعًا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، من فطَّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء) . قالوا: ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم!! فقال: (يعطي الله هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة، أو شربة ماء، أو مذقة [5] لبن، وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، من خفَّف عن مملوكه [6] غفر الله له، وأعتقه من النار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما [7] ، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار، ومن أشبع فيه صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ [8] حتى يدخل الجنة) [9] ."

ولذا يحرص الناس على إحياء هذا الشهر الفضيل في ليله ونهاره , بسائر أنواع الطاعات , والعديد من القربات , من إطعام الطعام , وتلاوة القرآن , وصلة الأرحام , وقيام الليل بالصلاة والعبادات , وكثرة الصدقات.

-لكن لا يخلو حال المسلمين- إلا القليل منهم - من الوقوع في براثن السلوكيات المرفوضة , التي انزلقوا إليها على حين غرّة , وقد تكون عن قصد وعمد.

ولقد كثرت هذه السلوكيات المرفوضة, حتى أصبحت سبٌة في جبين المسلمين , ووصمة عار في حياة المسؤولين عن التوجيه والإرشاد في ديار الإسلام , وليسألن يوم القيامة عما كانوا يعملون.

ومن هذه السلوكيات المرفوضة في شهر رمضان خاصة ما سنتناوله في هذا البحث بشيء من التفصيل، على قدر ما يتسع له المقام إن شاء الله تعالى.

(1) البقرة / 185.

(2) مفرقًا.

(3) سورة القدر.

(4) أوائل سورة الدخان.

(5) المذقة: هي الرشفة، أو مقدار ما يملأ الفم مرة واحدة.

(6) المملوك: العبد، ومن في حكمه نحو الأجراء، والخدم وغير ذلك.

(7) أي لا تستغنون عنهما، لحاجتكم الشديدة إليهما.

(8) الظمأ: العطش.

(9) رواه ابن خزيمة في صحيحه: 5 ك /الصوم - 8ب /فضائل شهر رمضان في صحيحه إن صح الخبر - ح /1887 بلفظه، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب بنحوه: 2/ 108 - ح /1487، عن ابن خزيمة، وزاد قوله:" رواه من طريق البيهقي، ورواه أبو الشيخ ابن حبان في الثواب باختصار عنهما، وفي أسانيدهم على بن زيد بن جدعان " أي: ضعيف الإسناد بزيد هذا، وانظر أيضا: الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني لأحمد بن عبد الرحمن البنا: 9/ 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت