الصفحة 2 من 55

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان، علمه البيان، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وأفضل ولد آدم ولا فخر، قدوة المؤمنين، وأستاذ الدعاة المخلصين، وأشهد أنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله على يديه الغمة، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها ونهارها سواء، لا يزيغ عنها إلا هالك.

فاللهم صلاة وسلامًا دائمين متلازمين عليه، وعلى آله وأصحابه، وأحبابه، وأتباعه، ومن تمسك بسنته، وسار على هديه إلى يوم الدين.

أما بعد!!

فإن المسلم الحق هو من سلم المسلمون من لسانه ويده، كما أن المهاجر الحق هو: من هجر ما نهى الله تعالى عنه، وكلما حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه من الأقوال، والأفعال، والاعتقادات!!

وإذا كان المرء المسلم مرهون بإصغريه: قلبه، ولسانه، لأن القلب كالبئر، وإن اللسان كالرشاء [1] ، فإن كان في القلب خير؛ غرف اللسان خيرًا، وإن كان فيه شر، أو دخَلٌ [2] ، أو ذبذبة، غرف اللسان من ذلك بحسبه.

واللسان ستار الإنسان بوجه عام، الذي يختفي وراءه، فإذا تكلم أظهر نفسه، وأعلن على الملأ عنها دون مواراة [3] ، قال - صلى الله عليه وسلم: (المرء مخبوء [4] تحت لسانه، فإذا تكلم ظهر!!)

ورحم الله إنسانًا مسلمًا خزن من لسانه، وأمسك الفضل من كلامه، ولم يطلق للسانه العنان، يجلد به الناس، ويلوك [5] سيرتهم بالباطل، ومن حسب كلامه من عمله؛ قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه!!

ورحم الله تعالى مسلما رزقه الله تعالى لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وبدنًا على البلاء صابرًا، وسلبه لسانًا لعَّانًا، فحَّاشًا عيَّابًا، نمَّامًا مغتابًا، سبَّابًا صخابًا آمين.

والوجه مرآة اللسان، وصورة القلب، فمهما احترف المنافقون تزيين أقوالهم، وأتقنوا تزييف أحاديثهم؛ حتى يحظوا بمصداقية وهمية عند الناس في الدنيا؛ إلا أن الوجه سرعان ما يفضحهم، ويكشف للمتقين خبث طويتهم [6] ، وسوء نيتهم، ودخَلَ قلوبهم

ومهما توارى المؤمنون عن أعين الناس، وحاولوا عدم الظهور أمامهم خوفًا على أنفسهم من المفسدة المحتملة من مخالطتهم، أو استحيوا منهم تواضعًا لله وحده، ورجاء تحقيق

الإخلاص الكامل لله رب العالمين في كل حركاتهم وسكناتهم، في غدوهم [7] ورواحهم [8] ، في فرحهم وترحهم [9] ، في حلهم [10] وترحالهم [11] ، في ظعنهم [12] وإقامتهم [13] ، في سلمهم [14] وحربهم، في دعائهم و دعوتهم، في سرهم وعلانيتهم، في خَلْوتهم [15] وجَلْوتهم [16] ، في الغيب [17] والشهادة [18] ، في الانفراد والجماعة؛ مهما حاولوا ذلك: فإن الوجه يكبر الخير المكنون في نفوسهم، ويظهر الإيمان الباطن في قلوبهم!! يعرف ذلك المسلم القوي الصلة بالله تعالى.

وقد نشأ عن قراءة الوجه ما يعرف بـ (الفراسة) وهي: نور يقذفه الله تعالى في قلب من شاء من عباده المؤمنين، حيث يرى المتفرِّس بنور الله تعالى في وجه المتفرَّس ما لا يراه المرئي من نفسه، ولا يمكن أن يحوم طائر فكره إليه.

والفراسة موجودة في الناس من لدن آدم - عليه السلام - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكلما ازداد العبد قربًا من ربه، وتوثقت صلته بخالقه؛ كلما صدقت فراسته، وتحقق حدسه [19] ، وقلما خاب ظنه، ونادرًا ما يسوء وصفه، ويبطل حكمه.

والفراسة هي البصيرة، وهي الحكمة، وكلاهما يحتاجهما المسلم في حياته كلها، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، والبصيرة سهم الداعية الناجح، الذي يصيب به شغاف قلب المدعوين من أقرب الطرق، وبأقل كلفة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

(1) الدلو، أو المغرفة.

(2) الاضطراب، أو الشك، أو عدم اليقين مطلقًا.

(3) المواراة: الاخفاء، ومنه التورية: إخفاء المعنى الحقيقي وإظهار معان أخرى يحتملها اللفظ المستعمل.

(4) مختفي.

(5) يخوض في أعراضهم.

(6) الطوية: ما يطويه الإنسان عن غيره، أي: يخفيه عنهم، بقصد حسن، أو بغير قصد حسن.

(7) الغدو: حركة البكور، ويقصد به هنا الخروج من البيت صباحًا، سعيًا وراء الرزق الحلال، من مصدره الحلال.

(8) الرواح: عكس الغدو.

(9) الترح: الحزن الشديد.

(10) الحِل: ما يحلون فيه أي: المكان الذي ينزلون فيه للراحة أثناء السفر خاصة.

(11) التِرْحال: عملية الرحيل ذاتها، والمراد: في أثناء السفر.

(12) الظعن: السفر مع الرفقة المأمونة بزاد.

(13) الإقامة: البقاء في المكان مدة طويلة، يقال له فيها: مقيم.

(14) السِّلم: الإسلام، والسِّلم: المسالمة والموادعة، وعدم الحرب.

(15) الخلوة: الانفراد عن الناس، وعدم مخالطتهم.

(16) الجلوة: الظهور والمخالطة.

(17) كل ما لا يدرك بأحد الحواس الخمسة: اللسان، العين، الأنف، الأذن، اليد، فإذا أدرك بواحد من هذه الخمسة، فليس غيبًا.

(18) ما أدرك بواحد من الحواس الخمسة، وخاصة العين.

(19) الحدس: مرادف الفراسة، ويحمل معنى البصيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت