فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 470

ويأتي التّقاطع بين طرفي معادلة الذات والآخر ذا طابع (كريكاتوري) ، لكنّه يحمل دلالة أكثر عمقًا، إذ يحدث تآخٍ محيّر في شخصية أحد ممثلي الذات، وهي شخصية للمذبحة، في مستوى يظهر التآخي شكليًا ولكن في المستوى الأعمق يبدو منطق الاستلاب أو ما يمكن أن ندعوه "الانسلاخ القومي".

(( لفت نظري هذا الشاب من بين العشرات من الركّاب؛ لأنه يشبه لوردًا إنكليزيًا متنكرًا في زي أعرابي أو بالعكس. فرز إحدى الشخصيتين عن الأخرى صعب وغير ضروري ) )ص42.

هذا التداخل (فرز إحدى الشخصيتين عن الأخرى صعب) يحمل دلالتين مهمتين: الأولى تشير إلى أن مقولة الانسلاخ القومي ليست مقولة تنفيذية بالمعنى الكلي فهي- في رأي الخطاب- نوع جزئي من التحول وبالتالي فلابد من ملء الفراغ الجزئي الذي يتركه هذا التحول بمكونات مكتسبة جديدة من خلال الاندغام (جزئيًا بالآخر) ، وهناك دلالة ثالثة يمكن الانتباه إليها وهي دلالة على إشكالية الشّخصية العربية المستلبة التي لا تنتمي إلى أي من المستويين الحضاريين العربي والغربي ولكن السؤال الذي يمكن أن يطرح: لماذا أطلق الخطاب الحكم بأن الفصل بين هاتين الشخصيتين "غير ضروري" والإجابة عن هذا السؤال قد تُحَمّله تناقضًا، فالمعنى الذي يمكن أن يُفهم من الحكم هو أن وضع الشخصية المتداخل وضع صحي بينما نرى سياق الخطاب يعرض العكس تمامًا. على الرغم من تعدّد المواقف تجاه الآخر وتنوعها، لكنها في أكثرها تبقى على غير استقرار واضح ولا تستطيع تحديد موقف صريح متكامل مخطط له وربما يعود ذلك إلى السّعي إلى موازاة الواقع بصدق محتم؛ وهو ما يعني أن الذات غير متكاملة لتكون كلية متجانسة تستطيع اتّخاذ المواقف المتماسكة والمتجانسة؛ لذلك تأتي مواقف الذات متداخلة، فمن موقف العداء إلى الاستلاب إلى الاندهاش الحضاري: (( ما أروع الصخور التي هندسها ديدالس وهي مازالت بخرائبها تتصيّد أشعة الشمس قرابة أربعة آلاف سنة خلت ) )ص30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت