فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 470

إن تبشير خطاب السفينة يتركز في رصده التباين الهائل في التوجه نحو العالم، وفي السلوك المتبع في التعامل مع مجرياته، فيما يلي سأعرض نصًا مطولًا ربما يعد البؤرة الخطابية في موضوعة الذات والآخر في خطاب السفينة: (( ما الذي نحن فيه؟ أي فردوس مجانين هذا؟ في هذه السّاعة بالذات ونحن في هذه القُمرة الصّغيرة نتأهب للخروج إلى البحر ثانية، وقد أرهقتنا الفلسفات والأوهام، ربما كان غيرنا... رحالة إنكليزي أو فرنسي، يقطع الرّبع الخالي مثلًا يغامر بحياته في رمال البوادي، محاولًا السيطرة على لغة تعصى على لسانه وحنجرته، ويجد متعة في شرب حليب الناقة بعد أن يغسل وعاء الحليب ببولها ما الذي نعرفه نحن عن صحارينا، والفيافي المفتوحة للمغامرين من خلق الله والمغلقة دوننا، عن البدو مثلًا من أمتنا، هؤلاء الذين يرسمون معالم الطريق وسط أوقيانوس الرّمال بكومة من الحجارة، كمن يرسم مسار هذه السفينة على الموج بفلينة عائمة.. هؤلاء المغامرون، هل يبحثون عن النفط ربما عن المعادن؟ ربما يمسحون ما أهمله حتى الله من أرض ليرسموا له خطوط طول وعرض شرقًا وغربًا على خريطةٍ ربما يخدمون أغراضًا خفية لدولهم! ربما‍‍! المهمّ هو أنهم يقذفون بأنفسهم في بوادي المجهول، ليعودوا بما يمكن أن يعلم ويحدد. وفي تلك الأثناء يكونون قد قارعوا الشّمس وعايشوا النجوم، وقهروا العطش، وعاشوا على حفنة من التمر، وهَرَّؤُوا بعض عجيزتهم على رحال إبل لم تُخلق لهم. ولا ريب أن بعضهم هارب من أمر ما. هارب من مجتمع لا ينسجم معه، أو امرأة يخشى زواجها أو راحة تنخز قلبه كالسّوس في الخشب. ولكن الهرب لديه الأصعب والأشق والأجدى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت