فهرس الكتاب
وتأتي ارتكاسات الذات موقفًا سويًا ومناسبًا ردًّا على طروحات الآخر، وهي تشكّل استمرار للموقف السابق عرضناه في السفينة وهو عودةُ ممثلي الذات إلى وطنهم بعد فحص إمكانية الخلاص لدى الآخر، وهنا أيضًا يحدث الشّيء نفسه يتمّ الفحص بالاصطدام العنيف، وهذا العُنْف لم نجده في (السفينة) مثلًا أو في (صيادون) ويأتي القرار بمغادرة الفردوس المتوهّم: (( قَرَّرت هَجْرَ الدّير، ولم يكن قراري نتيجة خيبةٍ في ما كنت أدرس فحسب، لقد بات بعد أشهر من الحيرة والقلق أمرًا لابد منه، إن أردت الإخلاص لنفسي لوطني للعالم، إن أنا أردت الإخلاص لحريتي وحرية الآخرين: إن أنا أردت أن أستمرّ في سعيي نحو ذلك التغيير العميق الذي بات يثيرني ويعذبني؛ لأنني مازلت قاصرًا عن إدراك أبعاده الحقيقية، وأنا في بلد غريب لا أستجيب فيه إلى ناسه ومشكلاته، ولا أستجيب فيه إلا للصّور والتماثيل والموسيقى؛ لأنني أشعرُ أنها جميعًا إنما تشير إلى بلدي إلى بيت لحم والقدس وطبريا، إلى فلسطين لسهولها وجبالها وينابيعها ) )ص188.
-الذات والآخر في (عالم بلا خرائط) :
إن تناولنا لعالم بلا خرائط خطابًا روائيًا، ندرس فيه موضوعة الذات والآخر يقدم بين يدي البحث معضلة، لا يمكن تجاوزها أو المرور عليها دون اكتراثٍ؛ فالرواية تأليف ثنائيّ، وبعيدًا عن الحكم النقدي على هذه التجربة، يمكن أن نضع في الحسبان الدراسي المزالق التي نخشى الوقوع فيها، ولكن لكي نكون في مأمن نسبي من هذه المزالق نسوق مجموعة من المطمئنات البحثية بل من المسوغات التي تسمح لنا أن نحاول مقاربة الدلالات الخطابية:
1-فيما يتعلق بالتأليف الثنائي من حيث تداخل مستويات التعبير لدى الكاتبين يمكن أن نتعلل بأن جبرا بمجرد قبوله بصدور الكتاب بالاشتراك مع منيف يقرّ بأن هذا المنتج الإبداعي يشكل جزءًا كبيرًا من عالمَه فإن لم يكن بمطابقةٍ تامةٍ فبنسبيّة كبيرة، وبأنه ينتمي إليه كذلك بالنسبية نفسها.